أخبار عاجلة
مقالات الوقائع | سالم أشرف سالم يكتب: أحيانًا يكون الحائط أصدق
مقالات الوقائع | سالم أشرف سالم يكتب: أحيانًا يكون الحائط أصدق

مقالات الوقائع | سالم أشرف سالم يكتب: أحيانًا يكون الحائط أصدق

تخرج امرأة من عملها في نهاية يوم طويل، تحمل احتياجات البيت، وتراجع في ذهنها موعد الإيجار ومصروف المدرسة وفاتورة الكهرباء. تصل إلى منزلها فتعد الطعام، وتتابع الأبناء، وتحاول تدبير ما بقي من راتبها، بينما يجلس زوجها مطمئنًا إلى أنها «تعرف كيف تتصرف».

هو موجود في البيت، لكن وجوده لا يخفف عنها شيئًا. له سلطة الرجل حين يريد، أما حين تأتي المسؤولية، فينسحب ويتركها تواجه الحياة وحدها.

هنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كان الرجل لا يمنح المرأة أمانًا، ولا يحمل معها أعباء البيت، ولا يقوم بمسؤوليته تجاه أولاده، فما الفرق بين ظله وظل الحائط؟

يقول المثل المصري: «ظل راجل ولا ظل حيطة»، ويعكس هذا المثل تصورًا اجتماعيًا كان يرى في وجود الرجل حماية وسندًا واستقرارًا. ولم يكن معناه الصحيح أن تقبل المرأة بأي رجل مهما كان خلقه وسلوكه، بل أن وجود زوج مسؤول قد يمنح الأسرة قوة لا توفرها الوحدة. لكن ليس كل ظل حماية، وليس كل وجود سند. وقد تكون الوحدة المتعبة أرحم أحيانًا من شراكة يحمل فيها طرف واحد أعباء شخصين، ثم يُطلب منه أن يشعر بالامتنان لأن الطرف الآخر ما زال موجودًا.

ولا يعني هذا اتهام الرجال جميعًا. فهناك آباء يخرجون قبل طلوع الشمس، ويعودون بعد أن أنهكهم العمل، ويجمع بعضهم بين وظيفتين حتى لا يحتاج أولادهم إلى أحد. هؤلاء لا يتحدثون كثيرًا عن مسؤولياتهم؛ لأنهم مشغولون بأدائها.

لكن في المقابل، هناك رجل يريد امتيازات القوامة من دون مسؤولياتها. تسمعه في المساء يرفع صوته مطالبًا بالطاعة والاحترام، وفي الصباح يراها تفتح محفظتها لتدفع مصروف المدرسة من راتبها هي، بينما هو صامت. يريد أن تكون كلمته مسموعة، وأن يُعامل بوصفه رب الأسرة، لكنه حين يأتي موعد الإنفاق يقول لزوجته: أنت تعملين، دبّري نفسك.

مقالات الوقائع | سالم أشرف سالم يكتب: أحيانًا يكون الحائط أصدق
مقالات الوقائع | سالم أشرف سالم يكتب: أحيانًا يكون الحائط أصدق

وقد لا يكون هذا الرجل عاطلًا أو بلا دخل، لكنه اعتاد أن تتحمل زوجته كلما استطاعت، فتحولت مساعدتها المؤقتة إلى التزام دائم، وتحول عطاؤها إلى حق مكتسب. وما بدأ منها مودة وتعاونًا انتهى به انسحابًا من مسؤوليته.

عمل الزوجة لا يسقط مسؤولية الزوج، وقدرتها على تدبير شؤونها ليست إذنًا له بأن يسحب يده. وقد تتفق الزوجة مع زوجها برضاها على المشاركة في النفقات، ولا مشكلة في ذلك؛ فالزواج تعاون ومودة، لا دفتر حسابات بارد. لكن التعاون أن يقول الرجل: هذا ما أستطيعه، وأنا أبذل جهدي، ونكمل الطريق معًا. أما التخلي فهو أن يملك القدرة ثم يبخل، أو يتكاسل عن طلب الرزق، ثم يتخذ راتب زوجته ذريعة للهروب من واجبه.

وينبغي أن نفرق هنا بين العاجز والمتهرب. فقد يفقد الرجل عمله، أو يمرض، أو يضيق رزقه رغم سعيه، وهذا لا يُهان ولا يُتهم في رجولته؛ لأن المطلوب منه أن ينفق بقدر استطاعته لا أن يأتي بالمال من العدم، كما يقول الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ {سورة الطلاق: آيه 7}. فالرجولة ليست رقمًا يدفعه الرجل كل شهر، بل موقف من المسؤولية، لا يقتصر على المال وحده؛ فمن الرجال من يوفر بيتًا وقوتًا لكنه غائب عن قلب أبنائه ومشاعرهم، ومنهم من يكسب القليل لكنه حاضر في تربيتهم وحمايتهم ومشاركتهم قراراتهم، فيمنحهم أمانًا لا تصنعه النفقة وحدها. قد يكون دخل الرجل قليلًا، لكن أسرته ترى سعيه وصدقه وحضوره معها، فتشعر بالأمان. وقد يكون دخله كبيرًا، لكن زوجته وأولاده يخافون طلب أبسط احتياجاتهم، لأن كل نفقة تتحول إلى منّة أو إهانة.

ولهذا ربط القرآن القوامة بالإنفاق: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ {سورة النساء: آيه 34}. فالقوامة ليست لقبًا اجتماعيًا ولا سلطة مجانية، بل رعاية ونفقة وتحمل للتبعات. ومن التناقض أن يستشهد الرجل بالقوامة حين يريد الطاعة، ثم ينساها حين يُطلب منه البذل. بل جعل النبي ﷺ الإنفاق على الأسرة من أعظم القربات، فقال: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك» (رواه مسلم عن أبي هريرة). فالمال الذي يضعه الرجل في طعام أبنائه وعلاجهم وتعليمهم ليس مالًا ضائعًا، بل عبادة وأمانة.

وكما أن على الرجل واجبًا، فعلى المرأة عدل مقابل. فالزوجة مطالبة بأن تراعي قدرة زوجها الحقيقية، وألا تجعل من بيوت الأخريات مقياسًا تُحاسبه عليه. فكم من رجل صادق يُطحن تحت مقارنات لا تنتهي، ويُتهم بالتقصير لأنه لم يوفر حياة لم يملك أسبابها أصلاً. والعدل يقتضي ألا نحمّل العاجز ما لا يستطيع، كما يقتضي ألا نسمح للقادر أن يختبئ خلف راتب زوجته أو الظروف الاقتصادية ليبرر كسله وأنانيته.

فالبيت السليم، في النهاية، يقوم على أن يعرف كل طرف واجبه أولًا، ثم يتفضل بما يزيد عليه حبًا لا قهرًا. فقيمة الرجل في بيته لا تظهر في ارتفاع صوته، بل في مقدار الأمان الذي تشعر به أسرته لوجوده وأن يعرف الابن أن أباه لن يتركه عند أول أزمة، وأن تطمئن الزوجة إلى أنها لا تواجه العالم وحدها. عندها فقط يكون ظله رحمة حقيقية.

أما الرجل الذي لا يحمل، ولا ينفق مع قدرته، ولا يرعى، ثم يطالب أسرته بالتمسك به حتى يقال إن في البيت رجلًا، فعليه أن يسأل نفسه: ماذا أضاف وجودي فعلًا إلى حياة من أعولهم؟

فليس ظل الرجل أفضل من ظل الحائط لمجرد أنه رجل، وإنما يصبح أفضل حين يكون سترًا وسندًا ومسؤولية. أما إذا صار عبئًا فوق الأعباء، فقد يكون ظل الحائط أصدق منه؛ فالحائط، على الأقل، لا يعد أحدًا بالمسؤولية ثم ينسحب عند أول استحقاق.

مقالات آخرى للكاتب على بوابة الوقائع

عن Admin

شاهد أيضاً

حادث سفينتي ميناء دمياط

مجلس الوزراء: طائرة مسيرة وراء حريق سفينتي ميناء دمياط.. والنقل تؤكد انتظام الحركة

الوقائع اليوم | بيانات رسمية ووكالات أصدر مجلس الوزراء المصري بيانا رسميا حول حادث حريق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *