أخبار عاجلة
سالم أشرف سالم يكتب: اشرب الشمامة.. حين لا تستحق الخسارة معركة
سالم أشرف سالم يكتب: اشرب الشمامة.. حين لا تستحق الخسارة معركة

سالم أشرف سالم يكتب: اشرب الشمامة.. حين لا تستحق الخسارة معركة

يضع البائع الشمامة في يدك وهو يؤكد أنها «مثل العسل»، ثم يزيدك اطمئنانًا: إن لم تعجبك فأعدها وخذ ثمنها. تعود إلى البيت، تشقها بالسكين، فتكتشف أن العسل الموعود لم يكن موجودًا، وأن طعمها لا يستحق نصف الحماس الذي بيعت به.

ترجع إلى البائع محتجًا، فيسألك: بكم أخذتها؟ تقول: بعشرة. فيجيبك بهدوء: في المرة المقبلة سأحسبها لك بخمسة.

وهكذا يكون قد باع الشمامة، واحتفظ بثمنها، ومنحك وعدًا جديدًا قد لا تتذكره أنت ولا يتذكره هو. وبالعبارة الشعبية: شربت الشمامة.

قد يكون من حقك أن تطالب بثمنها كاملًا، وأن تذكّره بوعده. لكن قبل أن تبدأ معركة طويلة من أجل الشمامة، ربما يستحق الأمر سؤالًا آخر: هل يمكن الاستفادة منها بطريقة مختلفة؟

يمكنك وضعها في الخلاط، وإضافة قليل من السكر أو العسل، فتحول ثمرة لم تصلح للأكل كما توقعت إلى عصير مقبول. لن تصبح الشمامة الممتازة التي وصفها البائع، ولن يتحول تصرفه إلى صواب، لكنك على الأقل لن تخسر الثمرة ووقتك وهدوءك معًا.

المسألة هنا ليست عن الشمام، بل عن طريقتنا في التعامل مع الحياة حين لا تأتينا الأشياء كما أردناها. وهذه الطريقة نفسها تتكرر في مواقف كثيرة، بعضها أصغر من الشمامة وبعضها أكبر منها بكثير.

فقد تحجز غرفة فندقية بمواصفات معينة، فتجدها عند الوصول أصغر مما تخيلت أو بإطلالة مختلفة عما في الصور. وقد تشتري جهازًا إلكترونيًا تكتشف بعد فتح علبته أن إحدى خصائصه أقل مما توقعت. في كلتا الحالتين، أمامك خياران: أن تفتح معركة مع الفندق أو المتجر من أجل فارق بسيط، أو أن تتعامل مع ما بين يديك وتستخرج منه أفضل استفادة ممكنة، كما فعلت مع الشمامة تمامًا.

وقد تكبر الخسارة أكثر فتمس مشروعًا أو سنوات من العمر: تبدأ مشروعًا بخطة محددة، ثم يتبين أن الفكرة الأولى لن تنجح، بينما يمكن استخدام ما أنجزته لبناء شيء مختلف. أو تقضي سنوات في تخصص ثم تدرك أنه ليس طريقك، فلا يلزم أن تعتبر كل ما مضى ضائعًا؛ ربما تستطيع نقل خبرتك إلى مجال آخر. بعض الخسائر لا تحتاج إلى استرداد الماضي، بل إلى إعادة استخدامه.

لكن هذا كله لا يعني أن كل خسارة تُحتمل بصمت.

فحين تكتشف مثلًا أن محاسبًا في شركتك يكرر خصم مبالغ من راتبك دون وجه حق كل شهر، أو أن مقاولًا تعاقدت معه على بناء بيتك يماطل في تسليمه رغم اكتمال العمل فعلًا واستلامه دفعاته كاملة، فهذا موقف مختلف تمامًا عن الشمامة؛ فالضرر هنا متكرر أو جسيم، والسكوت عنه ظلم لك وتشجيع للمخطئ على تكرار فعلته مع غيرك. هنا لا مكان للتنازل، بل للمطالبة الهادئة الحازمة حتى تسترد حقك كاملًا.

فمن حق الإنسان أن يحفظ حقوقه، فالسكوت الدائم قد يشجع بعض الناس على الاستغلال. وهناك أمور لا ينبغي التهاون فيها، خصوصًا إذا كانت الخسارة كبيرة، أو الضرر متكررًا، أو متعلقًا بأمان الناس وكرامتهم.

والفرق بين نوعي المواقف – شمامة تُشرب، وحق يُسترد – ليس في حجم المبلغ وحده، بل في طبيعة الموقف نفسه: هل هو زلة عابرة لن تتكرر، أم نمط متكرر سيستمر إن سكتّ؟ هل يخصك وحدك، أم سيتضرر منه آخرون إن لم تواجهه؟

وحتى لا يبقى الأمر نظريًا، اسأل نفسك ثلاثة أسئلة سريعة قبل أن تقرر خوض أي معركة صغيرة: كم تساوي الخسارة فعلًا مقارنة بوقتك وأعصابك؟ هل تكرر هذا الموقف من قبل مع الطرف نفسه؟ وهل في المطالبة منفعة تتجاوزك أنت وحدك؟

فإن كانت الخسارة يسيرة، والموقف عابرًا، ولا أحد غيرك سيتضرر من سكوتك، فربما كان الخلاط أوفر من المعركة. أما إن كانت الإجابة عكس ذلك، فاعلم أنك أمام حق، لا أمام شمامة.

وهنا تظهر قيمة الرفق؛ فالرفق لا يعني أن تكون ضعيفًا، بل أن تختار الطريقة الأقل قسوة والأكثر نفعًا، سواء اخترت المطالبة أو التجاوز. وقد قال النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه»، وهو حديث صحيح رواه مسلم.

فقد تطالب بحقك من غير إهانة، وترفض الخطأ من غير خصومة. المشكلة ليست في أن تقول: هذا حقي، بل في الطريقة التي تقول بها ذلك، وفي الثمن الذي تقبل أن تدفعه من أعصابك ووقتك من أجل استرداده. وأحيانًا تكون كلفة استرداد الحق أكبر من الحق نفسه: تختلف مع متجر حول مبلغ صغير، فتقضي ساعات في الاتصالات والانتظار، وقد تسترد مالك في النهاية، لكنك تكون قد دفعت من وقتك وهدوءك أكثر مما استرددت.

فالسؤال ليس: هل أنت محق؟ قد تكون محقًا تمامًا.

السؤال: هل هذه أفضل طريقة لاستخدام حقك ومجهودك؟

ولهذا امتدح النبي ﷺ الإنسان السهل القريب من الناس، فقال: «حُرِّم على النار كل هيّن ليّن سهل قريب من الناس» {حديث صحيح، رواه الترمذي وابن حبان وغيرهما}. والهيّن اللين ليس شخصًا بلا كرامة، بل هو قريب المعاملة، لا يعقّد البسيط، ولا يفتعل الخصومة، ويستطيع أن يحفظ حقه دون أن يحول نفسه إلى محكمة دائمة.

فالإنسان المرن لا ينكر أن النتيجة خيبت أمله، لكنه لا يبقى أسير الصورة الأولى؛ يسأل: ما الذي بقي في يدي؟ وكيف يمكن أن أنتفع به؟

ولا يعني ذلك أن نجمّل الفشل، أو نقنع أنفسنا بأن كل خسارة مكسب خفي. بعض الخسائر خسائر فعلًا، وبعض الحقوق يجب أن تُسترد كما في مثال الموظف والمقاول. لكن الإنسان يملك بعد وقوع الضرر أن يمنعه من الاتساع، وألا يضيف إليه خسائر أخرى من الغضب والعناد.

فنحن لا نعيش في محكمة دائمة. بعض الأمور يصلحها الإصرار، وبعضها يصلحه التجاوز، وليست كل معركة نخوضها دفاعًا عن الحق؛ بعض المعارك نخوضها لأننا لا نحتمل أن تسير الحياة على غير ما خططنا له.

فاحفظ حقك حين يستحق، وواجه حين تكون المواجهة نافعة، ولا تجعل التسامح غطاءً لمن يستغلك. لكن إذا كانت الخسارة صغيرة، والحل البديل موجودًا، فلا تضف إليها خصومة وصداعًا وإهدارًا للوقت.

أحيانًا لن تسترد الشمامة التي وُعدت بها، ولن تجبر البائع على الاعتراف بأنها لم تكن مثل العسل. لكن يمكنك أن تضعها في الخلاط، وتضيف إليها قليلًا من السكر، فليس الذكي دائمًا من يسترد كل ما خسره، بل من يعرف كيف يحوّل خسارته الصغيرة إلى كأس يستمتع بشربه بهدوء.

مقالات سابقة للكاتب

سالم أشرف سالم يكتب: يا حبيبي كان زمان… حينما كان الخطر ينتظر خارجاً

عن Admin

شاهد أيضاً

حادث سفينتي ميناء دمياط

مجلس الوزراء: طائرة مسيرة وراء حريق سفينتي ميناء دمياط.. والنقل تؤكد انتظام الحركة

الوقائع اليوم | بيانات رسمية ووكالات أصدر مجلس الوزراء المصري بيانا رسميا حول حادث حريق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *