أخبار عاجلة
مقالات الوقائع
مقالات الوقائع

سالم أشرف سالم يكتب: يا حبيبي كان زمان… حينما كان الخطر ينتظر خارجاً

قد يجلس طفل صغير أمام فيلم رسوم متحركة يبدو بريئًا، ثم يلتفت إلى والديه فجأة ويسأل سؤالًا لم يتوقعا سماعه في هذا العمر. لم يأتِ السؤال من رفيق سوء في الشارع، ولا من مكان غريب، بل من مشهد عابر ظهر على شاشة ظن الأبوان أنها آمنة.

في تلك اللحظة يدركان أن تربية الأبناء لم تعد المهمة نفسها التي عرفها آباؤنا وأمهاتنا.

لم تكن التربية قديمًا سهلة، ولم تكن الأجيال السابقة خالية من الانحراف أو المخدرات أو فساد الأخلاق، لكن مصادر الخطر كانت أقل، والوصول إليها أبطأ، وغالبًا ما كان الأب يعرف أصدقاء ابنه، وتعرف الأم البيوت التي تزورها ابنتها. وكان الطفل يقضي سنواته الأولى داخل دائرة محدودة تمنح الأسرة وقتًا كافيًا لتغرس فيه القيم قبل أن يواجه ما يناقضها.

أما اليوم، فقد صار العالم كله يدخل إلى غرفة الطفل عبر هاتف صغير. قد يبدأ بمشاهدة لعبة أو فيلم مناسب، ثم تقوده الاقتراحات إلى محتوى آخر يحمل أفكارًا عن العلاقات والجسد والهوية والعنف والاستهلاك، لا تتفق مع قيم أسرته، وربما لا تناسب عمره ولا قدرته على الفهم.

الفرق ليس أن الشر ظهر فجأة، بل أنه أصبح أسرع وصولًا، وأقل وضوحًا، ويصل إلى الطفل في سن أصغر.

بقلم سالم
بقلم سالم

في الماضي كان الأب يخشى رفيق السوء، أما اليوم فعليه أن ينتبه أيضًا إلى “الرفيق الخفي” داخل الشاشة؛ ذلك الذي لا يطرق الباب ولا يرفع صوته، بل يجلس بهدوء بجانب الطفل كل مساء، يكرر الفكرة حتى تصبح مألوفة، ويعرض السلوك مرات كثيرة حتى يفقد غرابته، ويقنع الطفل بأن كل ما يراه طبيعي لمجرد أن آخرين يفعلونه.

وأحيانًا لا يحتاج هذا الرفيق الخفي إلى مشهد صريح ليزرع فكرته؛ يكفيه أن يمرر كلمة واحدة بلا ضجيج. فقد لاحظتُ كثيرًا، وأنا أتابع ما يُعرض على أبنائي وأبناء من حولي من أعمال الرسوم المتحركة المدبلجة، أن بعض الأعمال الغربية الحديثة حين تتحدث عن علاقة بين شخصين من الجنس نفسه، تصفها بكلمة “girlfriend”، فإذا وصلت إلى الدبلجة العربية تحولت ببساطة إلى “صديقتي” ـ كلمة بريئة تمامًا في أذن الطفل ولسانه، لا تحمل أي إشارة إلى ما تعنيه في الأصل. والطفل الذي يكبر وهو قد سمع هذه الكلمة مرارًا في سياق مألوف ومحبب، لن يستغرب حين يكتشف لاحقًا معناها الحقيقي؛ فالرفيق الخفي يكون قد مهّد له الطريق بالإلف قبل أن يصل إلى الفهم، وهذا بالضبط ما يجعل مراقبة الألفاظ لا المشاهد وحدها جزءًا من مهمة الوالدين اليوم.

ومع ذلك، فالتقنية ليست شرًا خالصًا. لقد فتحت للأطفال أبوابًا واسعة للتعلم، وساعدتهم على اكتساب اللغات والمهارات واكتشاف المواهب. المشكلة ليست في وجود الشاشة، بل في أن تتحول إلى مربٍّ مستقل، لا يعرف عقيدة الأسرة ولا قيمها، ولا عمر الطفل ولا حالته النفسية.

مقالات الوقائع
مقالات الوقائع

تجلس أم في المساء أمام هاتف ابنتها الصغيرة، تفكر: هل أصادر الجهاز، أم أحاول أن أفهم أولًا ماذا رأت؟ وفي بيت آخر، يقف أب أمام باب غرفة ابنه المغلق، مترددًا بين أن يطرق ويسأل مباشرة، أو ينتظر لحظة أهدأ يفتح فيها ابنه قلبه من تلقاء نفسه. هذا التردد اليومي، البسيط والمرهق في آن، هو ملخص التحدي الذي يواجهه كل والدين اليوم: فالطفل قد يصل إلى المحتوى من جهاز صديق أو إعلان عابر أو محادثة في المدرسة، مهما أحكمنا المنع والمراقبة.

ولهذا لم يعد كافيًا أن نمنع ونغلق ونراقب فقط. المطلوب أن نبني داخل الطفل ما يحميه عندما تغيب أعيننا: إيمانًا يعرف به ربه، وعقلًا يميز، وضميرًا يراقب الله، وثقة تجعله يعود إلى والديه حين يرى ما لا يفهمه.

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ {سورة التحريم: الآية 6}. وحماية الأبناء لا تعني توفير الطعام والملابس والتعليم وحدها، بل أن نعلمهم من هم، ولماذا خلقهم الله، وما الحلال والحرام، وكيف يختارون حين تتعدد أمامهم الطرق.

فالطفل الذي يحفظ بعض الأوامر من غير أن يفهم معناها قد يتراجع أمام أول ضغط، أما الذي يتعلم الإسلام باعتباره منهج حياة، ويفهم أن الله يراه ويحبه ويريد له الخير، فسيكون أقدر على مقاومة ما يعرض عليه. الوازع الديني ليس قائمة طويلة من الممنوعات، بل علاقة بالله تمنح الطفل مرجعًا يعود إليه عندما يختلط عليه الصواب بالخطأ.

ومن المهم أن يتعلم الطفل الصلاة لا بوصفها حركة يؤديها لإرضاء والديه، بل صلة تحمي قلبه. وأن يقرأ القرآن لا لمجرد إتمام الحفظ، بل ليفهم منه قيم العفة والصدق والرحمة وضبط النفس. وأن يعرف سيرة النبي ﷺ حتى تكون أمامه نماذج حقيقية للرجولة والحياء وحسن الخلق، بدل أن يترك أبطاله يصنعهم له مشاهير المنصات. ولا يلزم أن يصل هذا التعريف بأسلوب الدرس والوعظ المباشر؛ فقصة قصيرة تُروى قبل النوم عن موقف من مواقف النبي ﷺ مع الأطفال، أو نقاش هادئ بعد مشاهدة فيلم يقارن بين تصرف بطله وتصرف النبي ﷺ في موقف مشابه، أقرب إلى قلب الطفل من أي محاضرة، ويجعل القدوة حاضرة بلا مقارنة مباشرة تشعره بالفرض.

لكن هذا التعليم لا يثبت بالمواعظ وحدها. لا يستطيع أب أن يقنع ابنه بخطر إدمان الهاتف وهو لا يرفع عينيه عن شاشته، ولا تستطيع أم أن تعلم ابنتها الخصوصية وهي تنشر كل تفاصيل حياتها أمام الناس. الأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعونه؛ يراقبون صلاتنا، وكلامنا، وغضبنا، وما نشاهده، وكيف نلتزم بما نطلبه منهم.

كما أن الطفل الذي يخشى رد فعل والديه سيتعلم إخفاء أسئلته، لا تجنب الخطر. فإذا قوبل كل سؤال حساس بالصراخ أو الإهانة، سيبحث عن الإجابة في مكان آخر. لذلك يحتاج البيت إلى وضوح بلا قسوة، وحوار بلا تهاون، وحدود ثابتة مع باب مفتوح للسؤال.

وهذا بالضبط معنى المسؤولية التي وصفها النبي ﷺ حين قال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته» {متفق عليه}. فالرعاية هنا ليست حراسة صامتة تكتفي بمنع الطفل من الخطأ، بل متابعة يقظة تعرف أين يذهب الطفل حتى في العالم الذي لا نراه بأعيننا، تمامًا كما كان الأب قديمًا يسأل عن رفقة ابنه في الحي. والمسؤولية اليوم أثقل؛ لأن الأب والأم لا يواجهان فكرة واحدة، بل سيلًا متصلًا من الصور والرسائل يحتاج منهما أن يعرفا ما يشاهده أبناؤهما، لا أن يفترضا أنه بريء لمجرد أنه مصنّف للأطفال.

كان الطفل في الماضي يخرج إلى العالم بعد أن يقضي سنوات داخل بيته، أما اليوم فالعالم يدخل إليه قبل أن يتعلم كيف يخرج إليه. لذلك لم يعد دور الوالدين أن يمنعا عنه كل شيء، فهذا يكاد يكون مستحيلًا، بل أن يمنحاه من الإيمان والفهم والثقة ما يجعله يعرف لماذا يقبل شيئًا ويرفض آخر.

يا حبيبي، كان زمان الخطر ينتظر خارج الباب، وكان يكفي أن نغلقه لنطمئن. أما اليوم فقد دخل هذا الخطر إلى غرفتك، وجلس بجانبك بهدوء رفيقًا خفيًا، ينافس أباك وأمك على عقلك وقلبك من حيث لا يشعران.

والسؤال لم يعد: هل سيصل العالم إلى أبنائنا؟

لقد وصل بالفعل.

السؤال الحقيقي: هل سنترك ذلك الرفيق الخفي يربيهم وحده، أم نسبقه إليهم بتربيتهم وتقويمهم وتعريفهم بتعاليم دينهم، وقربنا منهم، وقدوة يرونها في حياتنا قبل أن يسمعوها في كلامنا؟

.

عن Admin

شاهد أيضاً

مهرجان هي الفنون She Arts

بحضور سفيرة البرتغال.. انطلاق مؤتمر  “هي الفنون She Arts”

أمير أبورفاعي  شهدت العاصمة المصرية انطلاق المؤتمر الصحفي لمهرجان  “هي الفنون She Arts”  بحضور سوزانا فاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *