أخبار عاجلة
سالم أشرف سالم يكتب عن الأرواح المظلمة
سالم أشرف سالم يكتب عن الأرواح المظلمة

سالم أشرف سالم يكتب: الأرواح المظلمة… حين يأتي الخطر من أقرب الناس

مقالات الوقائع سالم أشرف سالم

ينام الطفل مطمئنًا لأن أباه في البيت، ويجري إلى أمه حين يخاف؛ فهو لم يتعلم بعد أن يشك في اليد التي تطعمه أو الحضن الذي يهدئه. لا يعرف شيئًا عن الخلافات الزوجية، ولا عن الديون، ولا عن الرغبة في الانتقام. كل ما يعرفه أن هؤلاء أهله، وأن البيت هو المكان الذي ينبغي أن يكون فيه آمنًا.

ولهذا فإن قتل طفل على يد غريب جريمة مروعة، لكن قتله على يد أحد والديه أو من يتولى رعايته يحمل رعبًا آخر: أن يأتي الموت من الجهة التي كان يفترض أن تحمي حياته. فحين تنطفئ الرحمة في القلب الذي وُجد أصلًا ليحميه، لا يبقى هناك مكان آخر يلجأ إليه. تلك هي اللحظة التي يُظلم فيها فعل إنسان لا جوهره: فالإنسان نفسه ليس شريرًا بطبعه، لكن الغضب أو اليأس أو الرغبة في الانتقام قد تطفئ فيه آخر ضوء كان يفترض أن يحمي طفلًا.

نسمع أحيانًا عن أب يقتل أبناءه لأنه عجز عن الإنفاق عليهم، أو أحد الوالدين يزهق أرواحهم حتى «يحرق قلب» الطرف الآخر، أو أحد مقدمي الرعاية أو شريك أحد الوالدين يرى في طفل ليس ابنه عبئًا أو عقبة، فتتدرج إساءته شيئًا فشيئًا بينما يغض من حوله الطرف عن العلامات الأولى ظنًا منهم أنها “مجرد صرامة تربوية”.

تختلف التفاصيل، لكن النتيجة واحدة: طفل بريء يتحول من إنسان له حق مستقل في الحياة إلى أداة في صراع الكبار، أو ضحية في يد من ائتُمن عليه.

وكأن القاتل لم يعد يرى أمامه طفلًا له قلب وذاكرة ومستقبل، بل رسالة يريد إيصالها، أو عبئًا يريد التخلص منه، أو ملكية يظن أنه يملك تقرير مصيرها.

هنا يبلغ انتكاس الفطرة مداه. فالأصل أن يخاف الأب على ابنه من جرح صغير، وأن تسهر الأم بسبب ارتفاع حرارته، وأن يقدم من يرعى الطفل سلامته على راحته. أما أن تتحول اليد التي كانت تحميه إلى اليد التي تنهي حياته، فليس مجرد غياب للرحمة، بل انقلاب كامل في معنى الرعاية نفسها.

من مقالات الوقائع
من مقالات الوقائع

خذ مثالًا واحدًا يتكرر أكثر مما نظن: تختلف امرأة مع زوجها، فيرحل غاضبًا أو تطلب هي الطلاق. وبدل أن يُحسم الخلاف بينهما وحدهما، يقرر أحدهما أن يعاقب الآخر في أحب ما يملك. يتصل بها ليلًا ويقول: «سأجعلك تندمين على اليوم الذي تركتِني فيه». تسمع الجملة وتظن أنها تهديد فارغ كسابقاتها، فتغلق الخط ولا تخبر أحدًا، حتى يكتشف الجميع لاحقًا أنها لم تكن كسابقاتها. وهنا لا يكون الطفل ضحية للقتل وحده، بل ضحية لتحويله إلى سلاح، يدفع ثمن خلاف لم يصنعه.

وفي هذا المعنى تأتي القاعدة القرآنية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: 18]. لا يحمل طفل ذنب أبيه أو أمه، ولا يُعاقب لأن أحدهما جرح كرامة الآخر.

وقد ترتبط بعض هذه الجرائم باضطرابات نفسية حادة أو أوهام مرضية، أو بعنف متراكم، أو بتعاطٍ. لكن فهم الأسباب لا يعني تبرير الجريمة؛ فنحن نحاول تفسير الطريق إلى المأساة حتى نمنع تكرارها، لا حتى نصنع للقاتل عذرًا. وفي المقابل، لا يصح أن نربط المرض النفسي تلقائيًا بالعنف؛ فمعظم من يعانون اضطرابات نفسية لا يؤذون أحدًا، وقد يكونون هم أنفسهم بحاجة إلى الحماية. لكن التهديد الصريح بقتل الأطفال، أو فقدان الاتصال بالواقع، أو وجود عنف سابق ومحاولات انتحار، أمور لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد انفعال عابر.

وكذلك لا يمكن أن يصبح الفقر مبررًا. ملايين الآباء والأمهات يمرون بضيق شديد، ويقتسمون اللقمة مع أبنائهم، ولا يخطر لهم أن يقتلوا من عجزوا عن توفير حياة أفضل لهم. ولهذا جاء النهي القرآني واضحًا:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 31]

الفقر موجع، لكنه لا يمنح الإنسان حق إزهاق روح لم يخلقها ولا يملكها.

وحين نتتبع الأثر إلى الوراء، نادرًا ما تكون الجريمة قد ظهرت فجأة يوم وقوعها. فقد يقول شخص في لحظة غضب: «سأقتلكم وأقتل نفسي»، فيتعامل المحيطون مع كلامه على أنه تهديد يتكرر أثناء المشاجرات، فلا يأخذه أحد على محمل الجد. ليست كل كلمة غاضبة جريمة مؤجلة، لكن اجتماع التهديد مع عنف سابق أو اضطراب حاد أو نزاع شديد يجعل الصمت مخاطرة بحياة أطفال لا يستطيعون حماية أنفسهم. وهذا ما يجعل بعض «الأسرار العائلية» لا تستحق أن تبقى أسرارًا: فالرحمة لا تعني التستر على الخطر حفاظًا على سمعة الأسرة. حماية الطفل أولى من صورة البيت أمام الناس، فإذا كان أحد من يرعى الطفل يضرب بعنف أو يهدد بالقتل، فلا بد من تدخل الأسرة والمتخصصين وجهات الحماية والقانون عند الحاجة. فبعض الأسرار إذا سكتنا عنها تحولت إلى جنازات.

ولا يكفي أن ندين الجريمة بعد وقوعها. السؤال الأصعب هو: هل سبقت الجريمة إشارات تجاهلناها؟ هل كانت هناك شكاوى من عنف لم نصدقها؟ هل فُضّلت المحافظة على شكل الأسرة على سلامة من يعيشون داخلها؟

وهذه الأسئلة ليست بلاغة إنشائية؛ فبحسب تقرير رسمي لخط نجدة الطفل التابع للمجلس القومي للطفولة والأمومة، استقبل الخط 11,644 شكوى وطلب مساعدة وخدمة خلال النصف الأول من عام 2025 وحده. هذا الرقم لا يعني أن كل هذه الحالات عنف أسري أو مقدمات لجريمة قتل، لكنه يكشف اتساع رقعة الأطفال الذين يعيشون في مواقف خطر أو إهمال تستحق تدخلًا قبل أن تتفاقم.

العودة إلى الدين هنا ليست موعظة تقال بعد المأساة، بل استعادة لمعنى الأبوة والأمومة: أن الطفل أمانة لا ملكية، وأن الضعيف أحق بالرحمة، وأن الغضب لا يعطي صاحبه حق العدوان. يقول النبي ﷺ: «من لا يَرحم الناس لا يَرحمه الله» (متفق عليه).

الدين لا يطلب من الأب أن يكون غنيًا، بل أن يكون أمينًا. ولا يطلب من الأم ألا تحزن أو تنهار، بل ألا تجعل طفلها يدفع ثمن انهيارها. وحين تضيق الحياة تبقى أبواب كثيرة: طلب العون، والعلاج، والاستعانة بالأهل، والانفصال بالمعروف. كلها طرق صعبة، لكنها أشرف من طريق لا عودة منه.

الأرواح المظلمة ليست كل روح حزينة أو مريضة أو ضعيفة؛ فنحن جميعًا نضعف. إنما يبدأ الظلام حين يرى الإنسان ضعف طفل أمامه فيستغله، ويجعل من روح بريئة ثمنًا لفقره أو غضبه أو رغبته في الانتقام.

ولأن هذه الروح المظلمة لا تُهزم بالصدفة، بل حين يقرر شخص واحد ألا يصمت؛ إذا ظهرت مؤشرات معقولة على عنف أو تهديد حقيقي تجاه طفل بالقرب منك، فلا تنتظر وقوع الأذى قبل طلب المساعدة. تواصل فورًا مع خط نجدة الطفل التابع للمجلس القومي للطفولة والأمومة على الرقم 16000 (هو خط مجاني يعمل على مدار الساعة في مصر؛ وفي بلدان أخرى يُنصح بالبحث عن الخط المخصص لحماية الطفل)، أو أبلغ أقرب قسم شرطة. فالإبلاغ بحسن نية عن مؤشرات حقيقية ليس تدخلًا في شأن خاص، بل واجب.

وهنا، وبعد أن ندرك أن التدخل قرار وليس خيارًا، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يوقظ ضميرنا ليس فقط: كيف استطاع أب أو أم أن يقتل طفله؟ بل: كم طفلًا يعيش الآن خلف باب مغلق، ويرسل إشارات الخوف، بينما ما زلنا نقنع أنفسنا بأن ما يحدث داخل الأسرة لا شأن لنا به؟

مقالات أخرى للكاتب

عن Admin

شاهد أيضاً

د. أحمد عامر يكتب: ظاهرة المشاجرات بين النقاد والمخرجين.. معركة الفن أم معركة الأنا

د. أحمد عامر يكتب: ظاهرة المشاجرات بين النقاد والمخرجين.. معركة الفن أم معركة الأنا

مقالات بوابة الوقائع | دكتور أحمد عامر دكتور أحمد عامر إذا كانت الظاهرة الاجتماعية نمطًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *