أخبار عاجلة
يوسف الحوت يكتب: الشرق الأوسط… كيف تستعمر عقول منطقة كاملة من خلال اسم واحد.
يوسف الحوت يكتب: الشرق الأوسط… كيف تستعمر عقول منطقة كاملة من خلال اسم واحد.

يوسف الحوت يكتب: الشرق الأوسط… كيف تستعمر عقول منطقة كاملة من خلال اسم واحد

يوسف الحوت يكتب: الشرق الأوسط… كيف تستعمر عقول منطقة كاملة من خلال اسم واحد

في كل نشرة أخبار، وفي كل كتاب جغرافيا، وفي كل تقرير سياسي، يتكرر هذا الاسم: “الشرق الأوسط”. صار جزءًا من لغتنا اليومية، حتى ظننا أنه اسمٌ قديمٌ بقدم المنطقة نفسها. لكن الحقيقة التاريخية تقول عكس ذلك تمامًا. هذا الاسم لم يُولد في القاهرة، ولا في بغداد. وُلد في مكتب ضابطٍ أمريكي، يكتب عن مصالح إمبراطورية بعيدة.

في عام 1902، استخدم الضابط البحري الأمريكي ألفريد ماهان عبارة “Middle East” في مقالٍ تحدث فيه عن الخليج العربي. لم يكن مهتمًا بتاريخ المنطقة أو حضاراتها، بل كان تركيزه على شيء واحد: الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة كطريق تربط بريطانيا بالهند. بمعنى آخر، وُلد المصطلح من حساب عسكري بحت، يرى المنطقة بوصفها ممرًا يخدم مصالح إمبراطورية أخرى، لا كيانًا له هويته وتاريخه المستقل.

ومن هنا بدأت القصة. لم يكن الاسم وصفًا جغرافيًا حياديًا، بل كان أداة تخطيط استعماري.

التسمية لم تأتِ منفردة، بل كانت جزءًا من تقسيمٍ كامل صاغه الجغرافيون الغربيون لقسمٍ واسعٍ من العالم. قسّم الجغرافيون المنطقة إلى ثلاثة أجزاء: “الأدنى”، وهو الأقرب إلى أوروبا، ويمتد من البحر المتوسط إلى الخليج العربي؛ و”الأوسط”، من الخليج إلى جنوب شرق آسيا؛ و”الأقصى”، وهو كل ما يواجه المحيط الهادي.

تأمل هذا التقسيم جيدًا: “الأدنى” قريب من أوروبا، و”الأقصى” بعيد عنها. المسافة كلها تُقاس من أوروبا. لسنا نحن مركز هذا التقسيم، بل نحن مجرد نقطة على خط مسافة، نقطته الأولى هي لندن أو باريس، لا القاهرة أو مكة.

المؤرخ
المؤرخ

بعد الحرب العالمية الثانية، تغيّر الاستخدام الرسمي البريطاني. استبدلت الوثائق الرسمية وشبه الرسمية البريطانية مصطلح “الشرق الأدنى” نهائيًا بمصطلح “الشرق الأوسط” الأوسع، الذي أصبح يشمل مصر وسوريا والعراق وفلسطين والسعودية والسودان واليمن ودولًا أخرى كثيرة. هذا التوسيع في حدود التسمية لم يكن نتيجة استفتاء أو نقاش مع شعوب المنطقة، بل كان قرارًا إداريًا بريطانيًا بحتًا، يُعاد فيه ترتيب الخريطة بحسب ما يخدم مصالح الإمبراطورية في تلك اللحظة.

مصطلح أوروبي المركز بامتياز

هنا تكمن المشكلة الجوهرية، كما يوضح تحليل نشرته الجزيرة دوت نت: تسمية هذه المنطقة بـ”الشرق الأوسط” تكشف عن منظور أوروبي المركز بوضوح، فهي “متوسطة” و”شرقية” فقط بالنسبة إلى علاقتها بأوروبا الغربية. وبهذا تحوّل المصطلح من وصفٍ جغرافي بسيط إلى مفهومٍ سياسي واستراتيجي يعبّر عن مصالح القوى الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

والأمر لا يتوقف عند المركزية الأوروبية فقط، بل يمتد إلى تعسف التصنيف نفسه. فكما يشير التحليل نفسه: هذه المنطقة تضم تنوعًا بيئيًا هائلًا، من جبال مغطاة بالثلوج إلى صحارى قاحلة إلى أنهار خصبة، وتسكنها شعوب مختلفة بلغات وثقافات متمايزة، وحتى الدين لا يصلح معيارًا لتعريفها، لأن أغلب المسلمين في العالم يعيشون خارج حدودها، في إندونيسيا وباكستان وبنغلاديش والهند.  فكيف يصح، إذن، أن نُختصر كل هذا التنوع الهائل تحت مصطلحٍ واحد، اخترعه طرف خارجي لخدمة حساباته الخاصة؟

وحتى نسختنا العربية… مستوردة

قد يظن بعضنا أن “الشرق الأوسط” مصطلح عربي أصيل، له جذر في تراثنا اللغوي. لكن الحقيقة عكس ذلك. فهذا الاسم بالعربية هو في الأساس ترجمة حرفية للمصطلح الإنجليزي، أصبحت شائعة في الصحافة العربية السائدة بفعل التأثير السياسي للولايات المتحدة وأوروبا، وبفعل هيمنة الصحافة الغربية على تشكيل اللغة السياسية في المنطقة.

بمعنى أننا لم نستورد المصطلح فقط، بل استوردنا حتى ترجمته الحرفية، دون أن نراجع، أو نسأل: هل هذا الاسم يصف هويتنا، أم يصف موقعنا من إمبراطورية لم تعد قائمة؟

يوسف الحوت يكتب: الشرق الأوسط… كيف تستعمر عقول منطقة كاملة من خلال اسم واحد.
يوسف الحوت يكتب: الشرق الأوسط… كيف تستعمر عقول منطقة كاملة من خلال اسم واحد.

فهل ينبغي أن نتوقف عن استخدامه؟

 الإجابة ببساطة هي نعم ، ينبغي علينا أن نتوقف عن استخدام هذا المصطلح الاستعماري ، حفاظا على ما تبقى من كرامتنا العربية والقومية ، يجب علينا أن نتوقف على استخدامه مع بعضنا البعض، في كتبنا التعليمية ، في نشراتنا الإخبارية، وحوارات البرلمان الداخلية.

نحن جمهورية مصر ، عربية لأننا نتحدث العربية ، أفريقية لأننا في قارة إفريقيا، إسلامية نظرا لأغلبية المواطنين – رغم أن في رأيي الشخصي يعد هذا ظلم للفئة المسيحية التي تقطن مصرنا العزيزة وخصوصا انها لم تكن دائما إسلامية ، ولكن هذا نقاش في مقالٍ آخر.

في النهاية الاسم ليس تفصيلًا صغيرًا

نحن، كمصريين، ننتمي إلى حضارة سبقت هذا المصطلح بآلاف السنين. لم تكن مصر القديمة تعرّف نفسها بموقعها من أوروبا، بل بمكانتها هي، بنيلها وتاريخها وحضارتها التي قامت بذاتها. فهل من المنطقي أن نقبل اليوم، بعد كل هذا التاريخ، أن نُعرَّف بمصطلحٍ صاغه ضابط بحرية أمريكي قبل أكثر من قرن، ليصف بلادنا بوصفها مجرد “وسط” على طريق إمبراطورية إلى الهند؟

التسمية ليست تفصيلًا لغويًا هامشيًا. التسمية هي أول فعل سيطرة. ومن يملك حق التسمية، يملك جزءًا من حق تعريف الهوية. وربما حان الوقت لنعيد لنفسنا هذا الحق..

عن Admin

شاهد أيضاً

مرشد سياحي سفير

انطلاق أولى فعاليات الموسم الجديد من مبادرة (مرشد سياحي سفير مصر) 

كتب أمير أبورفاعي تحت وإشراف الدكتورة داليا أمين، المرشدة السياحية، والأستاذة الجامعية، ورئيس الملتقى الثقافي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *