مقالات الوقائع سالم أشرف سالم
مقالات الوقائع سالم أشرف سالم

سالم أشرف سالم يكتب: بين الرايات الحمراء والخضراء… كن أنت الراية البيضاء

في العلاقات الحديثة، لم يعد الناس يكتفون بقول: هذا الشخص مناسب، أو هذا التصرف سيئ. ظهرت لغة كاملة تصف العلاقات وسلوكيات أطرافها: علاقة «توكسيك»، وتصرف يمثل «ريد فلاج»، وصفة مطمئنة تعد «جرين فلاج»، وموقف «كرينج»، وشخص يختفي فجأة فيمارس «الغوستنج»، وآخر يمنحك فتاتًا من الاهتمام ليضمن بقاءك قريبًا، فيما يسمى «بريدكرامبنج»، وثالث يغرقك بالحب والوعود في البداية ثم يتغير سريعًا، وهو «لوف بومبنج».

هذه المصطلحات لم تظهر من فراغ، فقد ساعدت كثيرين على تسمية سلوكيات كانوا يشعرون بأذاها ولا يعرفون كيف يصفونها. أصبح واضحًا أن التلاعب بالمشاعر ليس حبًا، وأن التقليل المستمر من الآخر ليس مزاحًا، وأن الاعتذار الذي لا يتبعه تغير ليس إصلاحًا. لكن المشكلة بدأت حين تحولت بعض العلاقات إلى عملية تفتيش مستمرة عن الرايات.

ندخل العلاقة وأعيننا على الطرف الآخر: هل تأخر في الرد؟ راية حمراء. هل تحدث كثيرًا عن نفسه؟ ربما يكون نرجسيًا. هل بدا مرتبكًا في أول لقاء؟ «كرينج». هل بالغ في الاهتمام؟ قد يكون «لوف بومبنج». وبينما نفتش في تصرفات الآخرين، ننسى سؤالًا أكثر صعوبة: ماذا يرون هم حين ينظرون إلينا؟

من السهل أن تحصي عيوب الناس، لكن الأصعب أن تراجع أثر وجودك في حياتهم. تريد شخصًا يمنحك الأمان، فهل تمنحه أنت الأمان؟ تريد من يصون غيابك ويحفظ سرك ويقدر ظروفك، فهل تفعل الشيء نفسه حين تختلف المصالح أو تتغير المشاعر؟

لقد جعلت لغة الرايات بعض الناس أكثر وعيًا، لكنها جعلت آخرين أكثر تمركزًا حول أنفسهم. يريد أحدهم علاقة صحية، لكنه يقصد في الحقيقة علاقة تريحه وحده: اهتمامًا بلا مسؤولية، ومساحة بلا مساءلة، وتقديرًا بلا مقابل. فهو يتحدث عن حدوده، لكنه لا يحترم حدود غيره، ويطالب بالوضوح، لكنه يترك الآخرين معلقين حتى يقرر ما يريد. يعرف أسماء السلوكيات المؤذية كلها، لكنه لا يلاحظها حين تصدر عنه. وهنا لا يعود الوعي نضجًا، بل يصبح قاموسًا نستخدمه لمحاكمة الآخرين وإعفاء أنفسنا.

فالعلاقة الجيدة لا تقوم فقط على أن تختار شخصًا يحمل «رايات خضراء»، بل على أن تكون أنت شخصًا يستطيع غيرك أن يطمئن إليه. أن تكون واضحًا فلا تترك أحدًا في منتصف الطريق، وأصيلًا فلا تنكر الجميل عند أول خلاف، ومخلصًا فلا تستخدم أسرار القرب سلاحًا بعد الخصام.

وصون العشرة لا يعني أن تستمر في كل علاقة مهما أضرت بك، بل أن تخرج منها بأخلاقك إذا انتهت؛ فلا تشوه من أحببته يومًا لتبرر رحيلك، ولا تحول نقاط ضعفه إلى حكايات تتسلى بها المجالس. فالاختلاف لا يلغي المعروف، والانفصال لا يمنحك حق الانتقام، ونهاية العلاقة لا تعني أن كل ما سبقها كان كذبًا. فإذا وقف شخص إلى جوارك في أزمتك، فلا تختفِ حين تأتي أزمته لأن العلاقة لم تعد ممتعة كما كانت. وإذا حفظك في الخصام، فلا تفضحه عند أول فرصة.

وليست العلاقات متساوية في العطاء طوال الوقت، فقد يمرض أحد الطرفين أو يمر بضائقة تجعله أقل قدرة على الاهتمام فترة من الزمن. والتوازن لا يعني حسابًا دقيقًا، بل شعورًا بأن العطاء يتحرك في الاتجاهين، وأن الطرفين حاضران، حتى إن اختلفت قدرتهما من وقت إلى آخر.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول «الراية البيضاء» إلى دعوة للاستسلام أو تحمل الأذى. فبياض الصفحة لا يعني أن تسمح للآخرين بالكتابة فوق كرامتك، ولا أن تقابل الخيانة بالصمت، أو العنف بالصبر. هناك علاقات يكون الخروج منها ضرورة، وحدود لا يجوز التنازل عنها؛ فالحفاظ على صفحتك بيضاء لا يعني أن تبقى حيث تُهان، بل أن تحمي نفسك من غير أن تتحول إلى نسخة ممن آذاك. يمكنك أن تكون حازمًا من غير قسوة، وأن تقول «لا» من غير إذلال، وأن تنسحب من غير تشهير.

فالراية البيضاء هنا ليست راية المهزوم، بل راية من يرفض أن يدخل علاقة جديدة وقد تلطخت يداه بأذى علاقة سابقة. فبعض الناس يدخلون علاقاتهم الجديدة محملين بديون الماضي؛ يعاقب الرجل امرأة جديدة على خيانة امرأة سابقة، وتختبر المرأة رجلًا لم يخطئ لأنه جاء بعد شخص كسر ثقتها، حتى يصبح الطرف الجديد مطالبًا بإثبات براءته من جرائم لم يرتكبها. ومن حق الإنسان أن يتعلم من تجربته، لكن ليس من العدل أن يجعل شخصًا جديدًا يدفع ثمنها.

وبياض الصفحة أن تدخل العلاقة واعيًا لا ساذجًا، وحذرًا لا شكاكًا، وأن تعطي الناس فرصة ليظهروا كما هم، لا كما تتوقعهم. فالارتباك ليس دائمًا «ريد فلاج»، والاختلاف ليس بالضرورة «توكسيك». بعض ما نسميه اليوم إشارات خطر ليس إلا نقصًا بشريًا طبيعيًا؛ فكل إنسان قد يقول كلمة في غير موضعها، أو يحتاج إلى وقت حتى يتعلم طريقة أفضل للتواصل. والعلاقة الصحية لا تجمع شخصين كاملين، بل شخصين قادرين على الاعتراف والتعلم والإصلاح.

فالراية الحمراء الحقيقية ليست أن يخطئ الإنسان، بل أن يصر على الخطأ، أو ينكره، أو يقلب اللوم عليك كلما واجهته. والراية الخضراء ليست كثرة الكلام الجميل، بل أن تجد بين الكلام والفعل صلة واضحة. أما الراية البيضاء، فهي أن تكون صادق النية، واضح الموقف، نقي السلوك. لا تستخدم الحب للسيطرة، ولا الغياب للعقاب. تكون حاضرًا حين يحتاج إليك من تحب، لا فقط حين تحتاج أنت إليه، وتقول الحقيقة ولو كانت أصعب من تركه معلقًا في وهم مريح.

وأحيانًا يكون أنظف ما تفعله أن تنهي العلاقة بوضوح؛ فليس كل استمرار وفاءً، وقد يصبح الاستمرار خداعًا إذا كنت تعلم أنك لم تعد تريد البقاء. وليس من الرحمة أن تمنح إنسانًا نصف قلبك، ثم تتركه يفسر الفتور ويبحث في نفسه عن الخطأ.

ربما نحتاج إلى هذه المصطلحات الجديدة؛ لأنها تساعدنا على معرفة ما يؤذينا. لكننا نحتاج أكثر إلى ألا نستخدمها للاختباء من مسؤولياتنا. فقبل أن تصف شخصًا بأنه سام، اسأل إن كنت قد سممت العلاقة بطريقتك. وقبل أن تبحث عن الرايات الخضراء، اسأل: هل يمنح وجودي الطمأنينة أم القلق؟

فالناس لا يحتاجون فقط إلى من يجيد اكتشاف الخطر، بل إلى من لا يصبح هو الخطر.

وبين «الريد فلاج» و«الجرين فلاج»، كن أنت «وايت فلاج»؛ لا بمعنى أن ترفع راية الاستسلام، بل أن تحافظ على بياض صفحتك: ترد المعروف، وتصون العشرة، وتحفظ السر، وتخلص لمن أخلص لك، وتعتذر حين تخطئ، وتغادر بأدب حين يصبح البقاء ضررًا.

فلا يكفي أن تختار اللون الصحيح في الآخرين. المهم أن تنظر إلى رايتك أنت… وألا يكون في صفحتك ما تخشى أن يقرأه أحد.

عن Admin

شاهد أيضاً

مواعيد مباريات اليوم

أول ظهور للأهلي وانتظار هدف صلاح في الدوري التركي.. جدول مواعيد مباريات اليوم الأحد 23 أغسطس 2026 والقنوات الناقلة

كتب يوسف الحوت ينتظر عشاق الساحرة المستديرة مواعيد مباريات اليوم الأحد الموافق 23 أغسطس الجاري، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *