أخبار عاجلة
مقالات الوقائع سالم أشرف سالم
مقالات الوقائع سالم أشرف سالم

سالم أشرف سالم يكتب: عندما يخذلك العَشَم… لا تلومنَّ إلا نفسك

أحرص دائمًا في كتاباتي على الدعوة إلى إصلاح العلاقات، لا إفسادها، وإلى حفظ الود، لا استعجال القطيعة. لكن إصلاح العلاقة لا يعني أن نتجاهل خللها باسم المحبة، ولا أن نرفع الناس فوق منازلهم، ثم نغضب حين يعجزون عن البقاء في المكان الذي وضعناهم فيه.

فالعلاقات السليمة تحتاج إلى توازن: لا جفاء يحرم الناس حقوقهم، ولا اندفاع يجعلنا نمنحهم أدوارًا لم يطلبوها، ثم نحاسبهم لأنهم لم يؤدوها كما تخيلنا.

ومن أكثر الكلمات حضورًا في حديثنا عن خيبات العلاقات كلمة «العشم». تمتلئ مواقع التواصل بعبارات مثل: «عم عشم مات»، و«العشم غشم»، و«اللي عشمنا فيهم خذلونا». وهي عبارات تكشف أن الألم لا يأتي دائمًا من تصرف الشخص نفسه، بل من المسافة بين ما فعله فعلًا وما توقعناه نحن منه.

قد يتأخر صديق عن الوقوف معك في أزمة، فتغضب لا لأنه أساء إليك مباشرة، بل لأنك تخيلته أول من سيأتي. وقد لا يسأل قريب عنك في مرضك، فيكون ألمك الأكبر أنك وضعته في منزلة أقرب الناس. وقد تبذل الكثير من أجل شخص، ثم تكتشف أنه لا يرد المعروف بالطريقة نفسها، فتقول: «لم أتوقع منه ذلك»

وهنا تكمن المسألة: أنت لم تتوقع منه ذلك.

العشم في جوهره توقع نصنعه نحن داخل أنفسنا. نحن الذين نقرر أن فلانًا لن يتركنا، وأن فلانة ستفهمنا من غير أن نتكلم، وأن هذا القريب سيقف معنا مهما حدث. ثم يتصرف الإنسان بحسب طبيعته وقدرته وأولوياته، لا بحسب الصورة التي رسمناها له، فنشعر بأنه خذلنا.

فلماذا نلجأ إلى العشم أصلًا، بدل أن نطلب ما نحتاجه بوضوح؟ غالبًا لأن الطلب الصريح يعرّضنا لاحتمال الرفض المباشر، بينما العشم يمنحنا وهم الأمان: إن لم نطلب شيئًا، فلن يُرفض شيء بصراحة، وسيبقى العتاب لاحقًا محتملًا لا مؤكدًا. وأحيانًا يكون العشم كسلًا في بناء حوار حقيقي؛ فالانتظار الصامت أسهل من جملة قد تكشف احتياجنا أو تُشعرنا بالضعف. لكن هذا الأمان وهمي؛ فنحن ندفع ثمنه لاحقًا خيبة أكبر بكثير مما كان سيكلفنا سؤال صريح.

مقالات الوقائع سالم أشرف سالم
مقالات الوقائع سالم أشرف سالم

وقد يكون الطرف الآخر قد خذلنا فعلًا، لكن من العدل أن نسأل: هل وعدنا بشيء ثم نكثه، أم أننا وعدنا أنفسنا نيابة عنه؟

هناك فرق بين الحق والعشم. إذا ائتمنت شخصًا فخانك، أو اتفق معك على أمر ثم تراجع، أو كان ملزمًا تجاهك بمسؤولية فتخلى عنها، فهذه إساءة يتحمل مسؤوليتها. الزوج الذي يهمل واجباته لا يقال لزوجته إن المشكلة في عشمها، والصديق الذي يفشي سرًا اؤتمن عليه لا يُعفى لأننا وثقنا به.

أما العشم فهو المنطقة التي لا توجد فيها وعود واضحة، لكننا نملؤها بتوقعاتنا: نفترض أن الحب سيجعل الآخر يقرأ أفكارنا، وأن القرابة ستلزمه بتقديمنا على نفسه. وحين لا يحدث ذلك، نحاكمه على عقد لم يوقعه.

ولأن الناس ليسوا سواء في القرب، فإن أول ما يحمينا من هذا الخلط هو أن نعرف منازلهم الحقيقية قبل أن نمنحهم أدوارًا لم يطلبوها. فالناس درجات: منهم من يؤتمن على العمر، ومنهم من يصلح للصحبة العابرة، ومنهم من نحفظ معه حدودًا واضحة، ومنهم من يكون البعد عنه أرحم. وهذا التصنيف ليس قسوة ولا حساب بارد، بل إنصاف: أن تعطي كل إنسان قدره الحقيقي كما أثبتته أفعاله لا كما تخيلته أنت، فتحب صديقك وتعرف حدود قدرته، وتصل قريبك دون أن تربط سلامك النفسي بمقدار سؤاله عنك.

ولا تُعرف منازل الناس من كلماتهم وحدها، بل من تراكم المواقف. فقد يكون شخص لطيف الحديث فنظنه وفيًا في الشدائد، بينما هو لا يرى العلاقة بالعمق نفسه. والشخص الذي ساندك مرة يستحق الشكر، لكنه لا يصبح بذلك مسؤولًا عن حمل أزماتك كلها. ومن الخطأ أن نرفع إنسانًا إلى مكانة عظيمة بسبب موقف واحد، كما أنه من الظلم أن نهدم مكانته كلها بسبب موقف واحد آخر.

ونحن أحيانًا لا نتعامل مع الناس كما هم، بل كما نحتاج إليهم أن يكونوا؛ نرى إشارة جميلة فنكمل بقية الصورة من عندنا، ثم نغضب حين لا تشبه الحقيقة ما رسمناه. ومن أكثر ما يوقعنا في هذا الخلط أن نجعل أنفسنا مقياسًا للآخرين: «لو كنت مكانه لفعلت كذا»، ثم ندينه لأنه لم يفعل. لكننا لسنا مكانه، وهو ليس نحن؛ ما نفعله بسهولة قد يكون صعبًا عليه، وما نعدّه واجبًا قد يراه فضلًا. وهذا لا يبرر الأنانية أو الجفاء، لكنه يساعدنا على التمييز بين من أساء إلينا، ومن خالف فقط توقعاتنا.

ومراجعة العشم لا تعني أن نتحول إلى أشخاص باردين، ولا أن نتوقف عن الثقة والمحبة؛ فالحياة تصبح قاسية إذا دخلنا كل علاقة بالشك. المقصود أن نكون طيبين من غير سذاجة، محسنين من غير فاتورة خفية، قريبين من الناس من غير أن نجعل سعادتنا معلقة بردود أفعالهم. فحين يفعل أحدنا المعروف لأنه يشبهه لا لأنه ضمن عودته، ويسأل عن الناس لصلتهم لا ليحصي المرات، عندها فقط يتحرر من فخ يصعب الانتباه إليه: أن نسمي الصفقة محبة، ثم نغضب حين لا يسدد الطرف الآخر ثمنها.

وربما كان أكثر ما يغذي العشم هو صمتنا نفسه. نحتاج إلى المساندة فلا نطلبها، نغضب من تصرف فنكتفي بالصمت، وننتظر أن يفهم الطرف الآخر وحده، ثم نراكم الخيبات لأنه لم يفهم. فلو أن مريضا في المستشفى غضب لأن صديقا أو قريبا عزيزا لم يعده في مرضه فأمسك هاتفه وأخبره: «كان يهمني أن تتصل بي وأنا في المستشفى»، لتحوّل عشمه الصامت إلى طلب واضح، له استجابة واضحة أيضًا. إما وفاء يُشكر عليه، أو تقصير يُحاسب عليه بحق، لا بتخمين.

فحين يكون الأمر مهمًا، يستحق أن يُقال لا أن يُخمَّن. فمن الإنصاف للناس أن نخبرهم بما نحتاج إليه بدل أن نمتحنهم في موعد لم يعرفوه.

وقد تكشف المواقف أن بعض من منحناهم مكانة عالية ليسوا فيها فعلًا. عندها لا حاجة إلى الكراهية أو الانتقام؛ يكفي أن نعيد ترتيب العلاقة بهدوء: قد يبقى الود لكن تقل التوقعات، وقد تستمر الصلة لكن بحدود أوضح، وقد يأتي التسامح لكن الثقة لا تُستعاد قبل أن تعيد المواقف بناءها.

وعندما يخذلك العشم، فالأجدى ألا تعلن أن الوفاء مات، ولا أن تجعل خيبة واحدة حكمًا على البشر جميعًا، بل أن تتوقف وتسأل نفسك: هل خذلني هذا الإنسان في حق واضح، أم خذلتني الصورة التي صنعتها له وحدي؟

فإن ظلمك، فاحفظ حقك ولُمْه على ظلمه. وإن نكث وعدًا صريحًا، فلُمْه على وعده.

أما حين يخذلك عشم بنيته وحدك، في مكان لم يطلبه ولم تثبته أفعاله، فلا تلومنَّ إلا نفسك.

عن Admin

شاهد أيضاً

مجلس الوزراء يعلق على مقترح هيكل

مجلس الوزراء يرد على اقتراح حسن هيكل حول نقل ملكية أصول قناة السويس إلى البنك المركزي

كتب عصام عبدالعزيز الحوت أصدر مجلس الوزراء، اليوم الأحد، بيانًا، يرد فيه عن ما يتم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *