كتبت سلمى سمير
لا تزال قضية أوجي سيمبسون واحدة من أكثر القضايا الجنائية إثارة للجدل في تاريخ الولايات المتحدة، فرغم مرور أكثر من 30 عامًا على وقوع الجريمة، ما زال الجدل قائمًا حول ما إذا كان نجم كرة القدم الأمريكية السابق مذنبًا بالفعل أم أن الشكوك التي أحاطت بالأدلة كانت كافية لتبرئته.

ومنذ اللحظة الأولى، انقسمت القضية بين أدلة تدين المتهم وشكوك تحاول تبرئته.
أولًا: الأدلة التي استند إليها الادعاء لإدانة أوجي سيمبسون
1- دليل الـDNA
في مسرح الجريمة عُثر على عينة دم مجهولة لا تعود لأي من الضحيتين. وعندما تم تحليل العينة ومقارنتها بعينة من أوجي سيمبسون تبيّن أنها متطابقة مع حمضه النووي (DNA).
إلا أن فريق الدفاع حاول التشكيك في هذا الدليل من خلال القول إن الشرطة ربما أخطأت في التعامل مع العينات أو حدث تلوث أو اختلاط أثناء جمع الأدلة أو حفظها.
2- القفاز
عُثر على قفاز في مسرح الجريمة، كما عُثر على القفاز الآخر المطابق له في منزل أوجي سيمبسون.
ويُعد هذا من أقوى الأدلة ضده، لأن وجود قفاز في موقع الجريمة والعثور على القفاز المطابق له في منزله يثير تساؤلًا مهمًا: إذا لم يكن القفاز يخصه، فما الذي جاء به إلى منزله؟
وخلال المحاكمة طلب الدفاع من أوجي أن يرتدي القفاز أمام هيئة المحكمة . وقيل أنه إذا جاء القفاز على مقاسه فسيكون دليلًا ضده، أما إذا لم يناسبه فسيُستخدم ذلك لصالحه.
وبالفعل ظهر القفاز ضيقًا عليه أمام المحكمة، لكن هناك عدة أسباب قد تفسر ذلك:
كان يرتدي قفازًا طبيًا أبيض تحت القفاز أثناء التجربة.
القفاز مصنوع من الجلد الطبيعي ، وتوجد تجارب علمية تشير إلى أن الجلد الطبيعي عندما يتعرض للدم أو الرطوبة تمتص مساماته السوائل، ومع مرور الوقت ينكمش حجمه والمحاكمة جرت بعد نحو 11 شهرًا من وقوع الجريمة، وهي مدة كافية لحدوث هذا الانكماش.
أوجي ذكر أنه كان يعاني من التهابات في يديه ولم يكن يتناول العلاج بانتظام في الفترة الأخيرة، مما قد يؤدي إلى تورم اليدين وزيادة حجمهما.
لذلك فإن عدم ملاءمة القفاز له أمام المحكمة لا يعني بالضرورة أنه ليس قفازه.
3- عدم وجود دليل واضح على مكان وجوده وقت الجريمة
لم يكن لدى أوجي دليل حاسم يثبت مكان وجوده وقت وقوع الجريمة، وهو ما جعل موقفه أضعف أمام الاتهامات.
4- شهادة السائق
بحسب شهادة السائق الذي جاء ليقله إلى رحلته المتجهة إلى شيكاغو:
الجريمة وقعت تقريبًا بين الساعة العاشرة والعاشرة والنصف مساءً من ليلة 12 يونيو 1994.
وصل السائق إلى منزل أوجي سيمبسون حوالي الساعة 10:25 مساءً، أي قبل الموعد المحدد بربع ساعة.
ظل يطرق الباب ويرن الجرس لفترة طويلة متواصلة حتى قرابة الساعة 10:50 أو 10:55 مساءً دون تلقي أي رد، ولم تجب أنوار المنزل.
خلال انتظاره وتحديًدا في تمام الساعة 10:56 مساءً، لاحظ شخصًا يدخل مسرعًا من الجهة الخلفية للمنزل، لكنه لم يتمكن من رؤية ملامحه بدقة بسبب الظلام.
بعد ذلك بدقائق قليلة، أُضيئت أنوار المنزل وظهر أوجي أخيرًا
عند ركوبه السيارة، لاحظ السائق عليه علامات توتر وارتباك واضحة.
كما ذُكر أن أوجي كان يعاني من جرح ينزف في إصبع يده اليسرى، وهو ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن الدم الموجود في مسرح الجريمة ربما جاء من ذلك الجرح.
5- عدم وجود مقاومة دفاعية كبيرة من الضحايا
بحسب ما تم تداوله، لم تظهر على الضحيتين علامات مقاومة كبيرة، باستثناء محاولة دفاع محدودة من صديق طليقته.
6- الهروب من الشرطة
بعد أن أصبحت الشرطة تبحث عنه ووجهت إليه تهمة القتل رسمياً، لم يسلم نفسه في الموعد المحدد صباح يوم 17 يونيو 1994، بل وقعت مطاردة شهيرة في شوارع لوس أنجلوس بسيارته البيضاء التي كان يقودها صديقه، بينما كان أوجي في المقعد الخلفي يحمل مسدساً ويهدد بالانتحار.
تحولت هذه المطاردة إلى حدث تاريخي غير مسبوق، حيث قطعت شبكات التلفزيون الأمريكية بثها المعتاد لنقل الحدث مباشرة على الهواء في بث مباشر شاهده واستمع إليه قرابة 90 مليون شخص، واصطف المواطنون على الجسور لتشجيعه.
ويرى كثيرون أن الشخص البريء عادة ما يتعاون مع الشرطة فورًا عندما يعلم أن طليقته قُتلت، بينما اعتُبر الهروب أو التهرب ومحاولة الاختفاء عاملًا يزيد الشكوك حوله ويعكس سلوك شخص يخفي ذنبًا.
7- تاريخ العنف الأسري
كان لأوجي سجل طويل من المشكلات العائلية مع زوجته السابقة.
ومن المعلومات المتداولة:
تم تقديم نحو 60 بلاغًا متعلقًا بالعنف الأسري أثناء فترة زواجهما.
في إحدى المرات اتصلت زوجته بالشرطة وهي تصرخ وتقول إنه يريد قتلها.
وعندما وصلت الشرطة وجدت عليها آثار اعتداء عنيف.
ويرى البعض أن هذا السجل يعكس شخصية عدائية وعنيفة، ما يجعل اتهامه بالجريمة أكثر قابلية للتصديق.
8- قضية السطو المسلح لاحقًا
في عام 2007 أو 2008 تقريبًا عاد أو.جي. إلى السجن بعد إدانته في قضية سطو مسلح مع مجموعة من أصدقائه.
ورغم أن هذه القضية لا تثبت تورطه في جريمة القتل، فإنها جعلت بعض الناس يعيدون النظر في صورته وشخصيته.
9- بصمة الحذاء
من الأدلة التي استند إليها أنه تم العثور على بصمة حذاء نادر وغالي الثمن في مسرح الجريمة، وكان هذا نوع من الأحذية مرتفع السعر لدرجة أن امتلاكه كان يرتبط غالبًا بالأشخاص الأثرياء.
وعندما سُئل أوجي عن الحذاء أنكر امتلاكه له تمامًا، وقال إن شكله قبيح أصلًا وليس من النوع الذي قد يرتديه. لكن بعد فترة انتشرت له صور وهو يرتدي نفس الحذاء بالفعل، وهو ما اعتبره كثيرون دليلًا قويًا على أنه لم يكن صادقًا عندما نفى امتلاكه له.
ثانيًا: النقاط التي استخدمها الدفاع لصالح أوجي.
اعتمد أوجي سيمبسون على فريق دفاع قانوني قوي جدًا عُرف باسم “فريق الأحلام”، وهو من أشهر فرق المحامين في الولايات المتحدة وقتها، ومنهم جونّي كوكران وروبرت شابيرو وف لي بيلي وغيرهم. ركّز هذا الفريق على التشكيك في أدلة الادعاء.
1- عدم العثور على سلاح الجريمة
حتى اليوم لم يتم العثور على السكين المستخدمة في الجريمة بشكل قاطع.
وهذا يعتبر من أبرز نقاط الضعف في القضية.
2- الشنطة الرابعة
في الليلة نفسها التي وقعت فيها الجريمة كان أوجي يستعد للسفر.
وعندما جاء السائق لنقله:
أعطاه ثلاث حقائب.
احتفظ بحقيبة رابعة معه.
وتداولت بعض الروايات أنه عندما وصل إلى وجهته تخلص من تلك الحقيبة.
ولهذا افترض البعض أن سلاح الجريمة ربما كان موجودًا بداخلها، لكن لم يتم إثبات ذلك بشكل قاطع.
3- الشاهدة التي قالت إنها رأت سيارته
ظهرت شاهدة قالت إنها رأت سيارة أوجي بالقرب من منزل طليقته وقت الجريمة أو بعدها مباشرة.
لكن شهادتها لم تُعتمد بشكل قوي لأن القانون الأمريكي وقتها كان ينظر بسلبية إلى الشهادات التي تُباع للصحافة مقابل المال.
وبعد نحو عام تبين أن هذه الشاهدة سبق لها الادعاء على مشاهير آخرين، ما أضعف مصداقيتها أكثر.
4- صانع السكاكين
ادعى رجل يصنع السكاكين أن أوجي اشترى منه سكينًا تشبه المواصفات التي حددها الطب الشرعي.
لكن عندما فُحصت السكين تبين أنها مغطاة بمادة زيتية وكأنها لم تُستخدم من الأساس، لذلك لم تُعتبر دليلًا قويًا ضده.
ثالثًا: علاقة كرة القدم الأمريكية بالسلوك العدائي
1- قضية آرون هيرنانديز
كان آرون هيرنانديز لاعب كرة قدم أمريكية محترفًا.
وقّع مع أحد الفرق وهو في أوائل العشرينيات من عمره.
بعد سنوات قليلة تم القبض عليه بتهمة قتل لاعب آخر.
أُدين بالجريمة.
في عام 2017 عُثر عليه منتحرًا داخل زنزانته.
وعند فحص دماغه بعد الوفاة تبيّن أنه كان يعاني من مرحلة متقدمة جدًا من الاعتلال الدماغي الرضحي المزمن (CTE).
2- قضية مايك ويبستر
كان لاعبًا أسطوريًا في كرة القدم الأمريكية.
بعد وفاته فحص الطبيب بينيت أومالو دماغه ولاحظ وجود تلف شديد في مناطق مسؤولة عن المشاعر والإدراك.
ومن هنا بدأت الدراسات التي تربط بين الصدمات المتكررة في كرة القدم الأمريكية والتغيرات الدماغية الخطيرة.
3- استنتاجات الأطباء
أشارت بعض الدراسات إلى أن:
الصدمات المتكررة قد تسبب ارتجاجات متكررة في المخ.
مع مرور الوقت قد يحدث تلف أو ضمور في بعض مناطق الدماغ.
من بين المناطق المتأثرة اللوزة الدماغية المرتبطة بالمشاعر والخوف.
كما قد يتأثر الفص الجبهي المسؤول عن الحكم الأخلاقي واتخاذ القرار وضبط السلوك.
تشير بعض الدراسات إلى أن تضرر هذه المنطقة قد يؤدي إلى ضعف القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وزيادة الاندفاع والعنف، والتصرف بشكل غير منطقي مقارنة بالشخص الطبيعي.
ومن وجهة نظر بعض الباحثين، فإن الصدمات المتكررة التي يتعرض لها لاعبو كرة القدم الأمريكية على مدار سنوات طويلة قد تؤثر على طريقة التفكير والحكم على الأمور. ويرى البعض أنه إذا كان أو.جي. قد تأثر فعلًا بهذه الإصابات بعد سنوات لعبه الطويلة، فقد يكون ذلك أحد العوامل التي أثرت على سلوكه أو طريقته في التعامل مع الاتهامات والأدلة. إلا أن هذه الفرضية لا يمكن اعتبارها دليلًا مباشرًا على ارتكاب الجريمة، وإنما مجرد تفسير محتمل لبعض السلوكيات.
4- موقف اتحاد كرة القدم الأمريكية
في البداية رفض الاتحاد هذه النتائج بشدة.
لكن مع زيادة الأدلة اعترف لاحقًا بوجود مشكلة تستدعي التعامل معها.
كما دفع تعويضات بمليارات الدولارات للاعبين السابقين وعائلاتهم بسبب الأضرار العصبية المرتبطة باللعبة.
وتم تشديد العقوبات على الضربات العنيفة التي تعتمد على استخدام الخوذة للاصطدام المباشر بالرأس.
5- دراسة جيمس فالون
درس عالم الأعصاب James Fallon أدمغة عشرات القتلة المتسلسلين.
ووجد أن بعض الأنماط العصبية لديهم تتشابه مع أنماط تظهر لدى أشخاص تعرضوا لإصابات دماغية شديدة.
وأشار إلى أن إصابة اللوزة الدماغية والفص الجبهي قد تؤثر على التعاطف والخوف والقدرة على ضبط السلوك.


من وجهة نظري، فإن مجموع الأدلة تميل إلى إدانة أوجي سيمبسون أكثر من تبرئته. فوجود الـDNA، والقفاز، والجرح في يده، وعدم امتلاكه رواية واضحة عن مكان وجوده وقت الجريمة، وبصمة الحذاء، وسجله الطويل في العنف الأسري، كلها عوامل تجعل احتمالية تورطه كبيرة.
وفي المقابل، فإن بعض أسباب البراءة التي استند إليها الدفاع اعتمدت على التشكيك في الأدلة أو استبعاد شهادات معينة أكثر من تقديم تفسير بديل متماسك لما حدث.
لذلك أرى أن تأثير الرأي العام والظروف الاجتماعية والإعلامية المحيطة بالقضية لعب دورًا كبيرًا في النتيجة النهائية للمحاكمة خاصة أن المحاكم الأمريكية في ذلك الوقت كانت معروفة بالتحيز والعنصرية ، إلى جانب أخطاء ارتكبتها جهات التحقيق أثناء إدارة القضية.
في النهاية، تظل قضية أوجي سيمبسون واحدة من أكثر القضايا التي أثارت الجدل في التاريخ ، لأنها لم تعتمد فقط على الأدلة الجنائية، بل امتزجت فيها عوامل كثيرة مثل طريقة جمع الأدلة، قوة فريق الدفاع، تأثير الإعلام، والجدل حول العدالة في تلك الفترة. وبين أدلة تُرجّح الإدانة وشكوك تفتح باب البراءة، يبقى الحكم النهائي محل اختلاف حتى اليوم، ما يجعل القضية مثالًا واضحًا على أن الوصول للحقيقة في بعض القضايا قد لا يكون دائمًا أمرًا بسيطًا أو محسومًا.
بوابة الوقائع لكل خبر حكاية