مقالات الوقائع| سالم أشرف سالم
الأعمار بيد الله، ولكل نفس أجل مكتوب لا يتقدم ولا يتأخر. يعيش الإنسان ما قُدّر له، يمر بمراحل القوة والضعف، ثم تأتي اللحظة التي يعود فيها إلى خالقه. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145].
ليست المشكلة إذن في أن يموت كبير السن بعد عمر طويل، ولا في أن يضعف جسده بعدما حمله عقودًا. المؤلم أن يرحل وحيدًا، وأن تمر أيام قبل أن يفتقده أحد، أو يبقى بجواره إنسان عاجز لا يستطيع إنقاذه ولا طلب النجدة لنفسه.
فالموت قدر، أما الوحدة القاسية فليست قدرًا لا يمكننا مقاومته.
في قصة تعتصر القلب في إحدى شقق مدينة الرحاب، لاحظ السكان رائحة كريهة تنبعث من شقة مغلقة، وانقطع ظهور أصحابها على غير المعتاد. وبعد إبلاغ الجهات المختصة وفتح الباب، وُجد طبيب يبلغ من العمر سبعة وستين عامًا قد فارق الحياة منذ ثلاثة أيام.
لكن القصة لم تنتهِ عند ذلك المشهد.
كان إلى جواره داخل الشقة شقيقته، امرأة مسنة تبلغ الثمانين من عمرها، مصابة بشلل كامل، وفي حالة صحية ونفسية بالغة السوء. كان أخوها هو من يرعاها ويقضي حاجاتها، وحين سقط أمامها، بقيت ثلاثة أيام لا تستطيع الوصول إليه، ولا فتح الباب، ولا استخدام الهاتف، ولا حتى طلب كوب ماء.
ثلاثة أيام كاملة جلست فيها امرأة عاجزة إلى جوار الشخص الوحيد الذي كان يمثل لها العالم كله، ولم يعرف أحد بما حدث إلا حين أعلنت رائحة الموت ما لم يعلنه سؤال الجيران. نُقلت بعدها إلى المستشفى، لكنها لم تعش طويلًا؛ إذ توفيت بعد ذلك بأسابيع قليلة، وكأن المأساة لم تكتفِ بأن تأخذ أخاها، بل لحقت بها هي الأخرى بعده بوقت قصير.
وفي قصة أخرى بعيدة في المكان والزمان، لكنها شديدة القرب في معناها، عُثر على الممثل الأميركي الشهير جين هاكمان وزوجته متوفيين داخل منزلهما. وكان يعتمد عليها بدرجة كبيرة مع تقدمه في العمر وإصابته بالزهايمر، ومعاناته من تدهور صحي واضح.
رحلت الزوجة أولًا فجأة، وبقي الرجل المسن في البيت نحو أسبوع، يُرجّح أنه لم يدرك خلاله أنها ماتت أصلًا، لا يجد من يرعاه ولا يقدر على طلب المساعدة، ثم توفي هو الآخر. رجل عاش حياة حافلة بالشهرة والنجاح، لكنه انتهى في منزل صامت، إلى جوار زوجة لن تجيبه، ومن دون شبكة قريبة تكتشف ما حدث سريعًا.
قصتان في قارتين مختلفتين، وظرفان اجتماعيان متباينان تمامًا؛ طبيب مصري وشقيقته العاجزة، ونجم أميركي وزوجته. ومع ذلك تلتقي القصتان عند التفصيل نفسه: إنسان ضعيف، ووحيد، وصامت، انتهى به الحال بلا من يسمعه في اللحظة التي احتاج فيها إلى صوت واحد فقط يسأل عنه.
لا يجوز أن نتهم أحدًا بالإهمال من غير علم، ولا تتشابه القصتان في كل التفاصيل. لكنهما تضعان أمامنا حقيقة مخيفة: قد يعيش الإنسان سنوات طويلة بين الناس، ثم يضيق عالمه في آخر العمر حتى يصبح معتمدًا على شخص واحد فقط. فإذا مرض هذا الشخص أو غاب أو مات، انهار كل شيء في لحظة.
الخطر ليس في أن يعيش كبير السن في بيته؛ فكثير من الكبار يحبون استقلالهم ويرفضون الانتقال إلى مكان آخر. الخطر أن تكون حياته معلقة بشخص واحد، من دون قريب يتابع، أو جار يسأل، أو رقم للطوارئ، أو وسيلة استغاثة يستطيع استخدامها حين يعجز.
نتعامل أحيانًا مع السؤال عن الجار باعتباره تدخلًا في خصوصيته، ونكرر أن لكل بيت أسراره. وهذا صحيح ما دمنا لا نتجاوز الحدود. لكن الخصوصية لا تعني أن تعيش سنوات إلى جوار رجل مسن، ثم لا تعرف إن كان حيًا أو مريضًا أو ملقى على الأرض ينتظر من يسمع صوته. فهناك فرق بين مراقبة الناس واقتحام حياتهم، وبين طرق باب جار كبير لم نره منذ أيام.
ورعاية كبار السن ليست مسؤولية الأبناء وحدهم، وإن كانوا أولى الناس بها. فهناك من لم يُرزق أبناء، ومن فقد أبناءه، ومن يعيش أبناؤه بعيدًا، ومن لديه أسرة كبيرة لكن كل واحد فيها يظن أن الآخر يطمئن عليه.

يقول الابن: أختي تحدثت إليه بالأمس. وتقول الأخت: أخي يسكن أقرب مني. ويرى الأقارب أن أبناءه أولى به، ويظن الجيران أن الأمر عائلي لا يعنيهم. وهكذا قد تضيع المسؤولية بين الجميع، ويبقى الكبير وحده، محاطًا بأشخاص يعتقد كل واحد منهم أن شخصًا آخر يقوم بالدور.
وليس البر مجرد إرسال المال. فقد يمتلك الأب أو الأم ما يكفيهما من الطعام والدواء، لكنهما يحتاجان إلى من يلاحظ أن الذاكرة بدأت تضعف، أو أن الجرعات اختلطت، أو أن السقوط أصبح متكررًا، أو أن الهاتف ظل مغلقًا مدة غير معتادة. أحيانًا لا يحتاج الكبير إلى من ينفق عليه بقدر حاجته إلى من يراه.
وقد جعل الإسلام توقير الكبير ومعرفة حقه خُلُقًا أصيلًا، فقال النبي ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا». وهو حديث صحيح. ومعرفة حق الكبير لا تقتصر على إفساح المقعد له أو خفض الصوت أمامه، بل تشمل ألا يُترك عند ضعفه، وألا يُعامل وكأنه حمل زائد انتهت فائدته، وألا يتحول احتياجه إلى سبب للضجر والإهانة.
لقد حملونا حين كنا لا نستطيع حمل أنفسنا، ومن الوفاء ألا نختفي حين يحتاجون إلى من يحملهم.
الأب الذي كان يعرف طرق المدينة كلها قد ينسى يومًا طريق غرفته. والأم التي كانت تدير البيت كله قد تعجز عن فتح عبوة الدواء. والرجل الذي كان الجميع يلجؤون إليه قد يخجل من الاعتراف بأنه لم يعد قادرًا على إعداد طعامه أو الاستحمام وحده. ضعف الكبير لا يسقط كرامته، بل يزيد مسؤوليته في أعناقنا.
ولأن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي لحماية أرواح كبارنا، لا بد أن يتحول هذا التعاطف الفردي إلى شبكة أمان مؤسسية لا تعتمد على ذاكرة شخص واحد أو ضميره وحده.
وهذا ليس خيالًا؛ ففي اليابان، حيث تفشت ظاهرة “الموت الوحيد” (kodokushi) بين كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، أنشأت السلطات المحلية وشركات البريد وموزعو الألبان أنظمة تُعرف بـ “المراقبة الودية ” (mimamori)، يمر فيها موظف التوصيل أو ساعي البريد دوريًا على كبار السن المسجلين، فإن لاحظ تراكم الصحف أو البريد أمام الباب، أبلغ الجهات المختصة فورًا. وفي السعودية توجد مبادرات أهلية للرعاية المنزلية والزيارات التطوعية لكبار السن، ويمكن تطويرها إلى شبكات متابعة منتظمة داخل الأحياء. مثل هذه النماذج يمكن تكييفها محليًا: سجل اختياري بسيط لدى إدارة الحي أو الجمعية الخيرية القريبة، يربط كل كبير سن يعيش وحده بمتطوع أو جار يتصل به كل يومين، مع رقم قريب محفوظ للطوارئ. فإذا غاب المسن عن عادته أو لم يرد على هاتفه، تحرك أحد قبل أن تمر الأيام.
لا ينبغي أن ننتظر رائحة تخرج من خلف الباب حتى نسأل: أين صاحب البيت؟
والمسألة ليست حالات نادرة لا تستحق نظامًا. فحين تقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو واحد من كل أربعة من كبار السن يعاني العزلة الاجتماعية، وأن نحو واحد من كل عشرة يشعر بالوحدة، فهذا يعني أن هذه الظاهرة أقرب إلى عائلاتنا مما نظن، وليست حالة نادرة بعيدة عنا، وإن لم ننتبه إليه. والعزلة والوحدة، كما تؤكد المنظمة نفسها، ترتبطان بتأثيرات خطرة في الصحة النفسية والجسدية وجودة الحياة – وهو ما رأيناه في الطبيب وشقيقته، وفي الممثل وزوجته.
لكن حتى الأرقام لا تقول كل شيء. لا تستطيع الإحصاءات أن تصف ليلة طويلة يقضيها مسن خائفًا من السقوط، أو امرأة عاجزة تسمع أنفاس أخيها تتوقف ولا تستطيع الوصول إلى الهاتف، أو رجلًا فقد ذاكرته يبحث داخل منزله عن زوجة لن تجيبه.
وحدة الكبير ليست مجرد غياب أشخاص من حوله، بل غياب من يمكنه الاعتماد عليه عند الحاجة. ولا تعني الرعاية أن نسلب الكبير استقلاله أو نعامله كطفل، بل أن نقول له: عِش حياتك كما تحب، لكننا لن نتركك وحدك حين تحتاج إلينا. فنحن لا نحسن إلى كبارنا لأنهم ضعفاء فحسب، بل لأنهم نحن بعد سنوات.
نحن لا نملك منع الموت، وربما كان هؤلاء سيرحلون في اللحظة نفسها مهما كان حولهم من الناس. لكن وجود الآخرين كان يستطيع أن يغير طريقة الرحيل، وأن ينقذ من بقي حيًا، ويمنع أيامًا من العجز والخوف والصمت. لا نملك أن نكتب لكبارنا أعمارًا جديدة، لكننا نملك أن نملأ أعمارهم المكتوبة بالسؤال والونس والرعاية.
ما هكذا يرحل كبارنا: خلف أبواب مغلقة، لا يفتقدهم أحد. بل ينبغي أن يعيشوا ويرحلوا بين أهل يعرفون حقهم، وجيران يسألون عنهم، ومجتمع لا يعتبر وحدتهم شأنًا خاصًا، وأيدٍ تمتد إليهم قبل أن تتحول حاجتهم إلى خبر حزين.
فكر الآن في كبير سن تعرفه: أب، أو أم، أو قريب، أو جار يعيش وحده. متى كانت آخر مرة اطمأننت عليه؟ لا تؤجل السؤال؛ فقد تكون مكالمتك العادية بالنسبة إليه دليلًا على أنه لم يصبح منسيًا في هذا العالم.
بوابة الوقائع لكل خبر حكاية