متابعة زينب سعد الدين وسمير فراج
انطلقت فعاليات الجلسة الافتتاحية لـ مؤتمر دار الإفتاء المصرية الدولي الحادي عشر، والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم الذي يُعقد تحت رعاية فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، تحت عنوان “التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية”.
وشارك في فعاليات المؤتمر نخبة من المفتين والوزراء والعلماء والقيادات الدينية والأكاديميين والمفكرين والخبراء من مختلف دول العالم، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة والمسؤولين والمهتمين بقضايا الأسرة والمجتمع.
وتأتي الجلسة الافتتاحية للمؤتمر إيذانًا بأجندة أعمال تضع الأسرة في قلب النقاش الإفتائي والفكري، في ظل تحولات كبرى ومتسارعة أعادت تشكيل أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية، وفرضت تحديات جديدة على منظومة القيم والأسرة والهوية.
وتضمنت الجلسة كلمات رئيسية تسلط الضوء على أهمية تعزيز دور المؤسسات الإفتائية والدينية في حماية الأسرة، وتطوير أدوات الإرشاد والإفتاء بما يجمع بين التأصيل الشرعي والوعي بالواقع واستشراف المستقبل.
وعلى مدار يومي المؤتمر 2 و3 سبتمبر، يناقش المشاركون مجموعة من الملفات والقضايا المرتبطة بمستقبل الأسرة، من بينها الزواج والطلاق، والإرشاد والتأهيل الأسري، والتحولات الاجتماعية والثقافية، والتأثيرات الرقمية والتكنولوجية، وقضايا التربية، وصيانة الهوية والقيم.

كما يسعى المؤتمر إلى الانتقال من التعامل مع المشكلات الأسرية بعد وقوعها إلى بناء مقاربة إفتائية وقائية واستباقية، تسهم في تعزيز الوعي، والحد من أسباب التفكك، ودعم الأسرة في مواجهة المتغيرات المتلاحقة.
كلمة وزير الأوقاف في مؤتمر دار الإفتاء المصرية
وأشاد فضيلة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر دار الإفتاء المصرية، المنعقد تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، ممثلًا عن دولة رئيس مجلس الوزراء، بانعقاد المؤتمر في هذا التوقيت الذي يتزامن مع شهر ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، بما يحمله ذلك من دلالة بالغة في استحضار هديه الشريف في بناء الإنسان والأسرة، ولا سيما قوله : «خيركم خيركم لأهله»، موضحًا أن حسن معاملة الأسرة ورعايتها يمثلان أحد أبرز معالم المنهج النبوي في بناء الإنسان وصيانة المجتمع، وأن استحضار هذه المعاني في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها العالم يكتسب أهمية مضاعفة في حماية الأسرة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المتجددة.

وأشار فضيلته إلى أن بناء الإنسان عملية متكاملة تتداخل فيها مجموعة من المنافذ والمؤسسات الكبرى التي تشترك في تشكيل وعيه وبناء شخصيته وصياغة منظومته القيمية، وفي مقدمتها الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والشارع، حيث تبدأ الأسرة مهمتها باعتبارها الوعاء الأول الذي تتشكل داخله شخصية الإنسان، ومنها يتلقى أولى معاني الأمان والانتماء والمسؤولية والقيم والأخلاق، وهو ما يجعلها بحاجة إلى إحاطة دائمة بعوامل العلم والتضافر والتعاون لحمايتها من التشويش والاضطراب، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تستهدف في بعض صورها منظومة القيم والهوية، وأن غياب الرعاية الأسرية قد يترك آثارًا عميقة في تكوين الإنسان، سواء كان ذلك نتيجة تخلي أحد الوالدين عن دوره أو انشغاله بصورة تحول دون قيامه بمسؤوليته التربوية والإنسانية.
ونبَّه وزير الأوقاف إلى أن الإعلام يمثل أحد المنافذ الكبرى المؤثرة في تشكيل الوعي وبناء الأسرة في عصر الذكاء الاصطناعي؛ نظرًا لما تملكه الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية من قدرة واسعة على التأثير في الوجدان والسلوك وتشكيل التصورات عن الأسرة والعلاقات الإنسانية، مؤكدًا أن هذا التأثير قد يحمل مضامين إيجابية تسهم في تعزيز الاستقرار والقيم، وقد يتحول في المقابل إلى مصدر للتشويش ونشر العنف والاضطراب وتغيير المفاهيم إذا غابت المسؤولية عن صناعة المحتوى، وهو ما يجعل الأسرة في حاجة إلى مزيد من الوعي والقدرة على التماسك والقيام بدورها في مواجهة ما يرد إليها من مؤثرات متعددة، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي فرضها الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

وشدد وزير الأوقاف على أهمية العمل المشترك في مواجهة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، وهي القضية التي يضعها المؤتمر على دائرة التفكير والبحث والنقاش من خلال مقاربة إفتائية تستهدف استشراف مستقبل الأسرة وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التحديات المتغيرة، مشيرًا إلى أن المؤسسات الدينية المصرية تعمل في إطار من التكامل والتعاون من أجل أداء رسالتها في نشر العلم النافع وخدمة الإنسان، وأن وزارة الأوقاف وشيخ مشايخ الطرق الصوفية ونقابة الأشراف ودار الإفتاء المصرية تقف صفًّا واحدًا خلف الأزهر الشريف وشيخه، من أجل حمل رسالة العلم النافع للبشرية والتجرد لخدمة الدين والوطن ونقل أنوار الإسلام وتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم إلى العالمين.
واختتم وزير الأوقاف حديثه بأن القضية الفلسطينية ستظل القضية الكبرى، وأن مصر ستواصل موقفها الثابت الرافض لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، مع التمسك بحق الشعب الفلسطيني في أرضه وإقامة دولته المستقلة، مع إيلاء قطاع غزة عناية خاصة في ظل ما يمر به من ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، بما يعكس ثبات الموقف المصري في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والحفاظ على مقدراته وهُويته وأرضه.
كلمة مفتي الجمهورية في مؤتمر دار الإفتاء المصرية
وفي كلمته أكد فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم- أن الدولة المصرية أدركتْ مبكرًا خطورةَ التحدياتِ التي تواجهُ الأسرةَ، فبادرتْ بتوجيهاتٍ رئاسيةٍ حاسمةٍ لصياغةِ قوانينِ الأحوالِ الشخصيةِ على نحوٍ أكثرَ توازنًا وتكاملًا، وإنشاءِ «صندوقِ دعمِ الأسرةِ»، ودعمِ الأبناءِ بعدَ الانفصالِ، وسرعةِ تنفيذِ الأحكامِ القضائيةِ في دعاوى النفقاتِ ضمانًا للاستقرارِ المعيشيِّ، وتعزيزِ برامجِ التأهيلِ المجتمعيِّ والنفسيِّ والماديِّ للمقبلينَ على الزواجِ؛ في تناغمٍ بينَ مقاصدِ الشريعةِ وسياساتِ الدولةِ الرشيدةِ.
وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية خلال كلمة فضيلته في افتتاحِ المؤتمرِ الدوليِّ السنويِّ للأمانةِ العامةِ لدورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ المنعقد تحت عنوان «التحدياتُ الأسريةُ في ظلِّ التحولاتِ الكبرى .. مقاربةٌ إفتائيةٌ لحمايةِ الأسرةِ واستشرافِ مستقبلها وصيانةِ الهويةِ» أن الرسول صلى الله عليه وسلمَ كان خيرَ الناسِ لأهلهِ، وأقامَ بيتَهُ على حُسنِ العِشرةِ والمودةِ والرحمةِ، وضرَبَ أكرمَ المثلِ في الأُبوةِ الحانيةِ، والتربيةِ بالرفقِ، والحزمِ منْ غيرِ قسوةٍ، وإنَّ منْ أصدقِ الاحتفاءِ بمولدهِ أنْ يتحولَ هديهُ الشريفُ إلى سلوكٍ في بيوتنا، ومنهجٍ في تربيةِ أبنائنا، وميزانٍ في إدارةِ خلافاتنا.
وبين فضيلته أن عُنوان المُؤتمر قد صِيغَ في بناءٍ منهجيٍّ دقيقٍ يجمعُ أربعةَ محدداتٍ، وهي التحديات الأسرية، والتحولات الكبرى، وحماية الأسرةِ واستشراف مستقبلها، وصيانة الهويةِ، وأنَّ اجتماعَ هَذِهِ المُحَدِّدَاتِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ يُلْقِي عَلَى عَوَاتِقِنَا مَسؤُولِيَّةً مضاعفةً، فِي لَحْظَةٍ تاريخيّةٍ تَتَزَاحَمُ فِيهَا المشروعاتُ المجتمعيةُ، وَتَتَجَاذَبُ الإِنْسَانَ مرجعياتٌ شَتَّى؛ لِنُقَدِّمَ لِلْعَالَمِ، بِوَعْيٍ نَافِذٍ بِحَرَكَتِهِ وتحولاتهِ، النموذجَ الحَضارِيَّ الَّذِي أَرْسَى كِتَابُ اللهِ أُصُولَهُ، وجسَّدتْ سُنةُ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعالِمَهُ؛ لِتَثُوبَ إِلَيْهِ مجتمعاتٌ أَنْهَكَتْهَا الأَزَمَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ فِي مشارقِ الأَرْضِ ومغاربِها، وَتَجِدَ فِيهِ سَبِيلًا إِلَى اسْتِعادَةِ تَوَازُنِهَا وسكينتِها.
ولفت فضيلة المفتي النظر إلى أن الخطورة الكبرى تكمن أيضًا في سلب الذكاء الاصطناعي للمرجعية التربوية من الوالدين لصالح منصات وخوارزميات غربية؛ إذ أضحى الأبناء يستمدون المعايير القيمية ومقاييس الحلال والحرام من محتوًى موجه يضعف التنشئة ويصنع جيلًا مفصولًا عن هُويته ودينه بالإضافة إلى اختراق الخصوصية وإرباك الستر، وفي هذا المناخِ تتسارعُ «عولمةُ القيمِ»؛ إذْ تنتقلُ منظوماتٌ قيميةٌ مغايرةٌ عبرَ الحدودِ، وتقدمُ بوصفها معيارًا إنسانيًّا واحدًا، بما يهددُ الخصوصياتِ الدينيةَ والثقافيةَ ويزاحمُ مرجعياتِ الأسرةِ، وينشأُ عنْ ذلكَ ما يمكنُ تسميتهُ «مثلثَ التفككِ»: اللادين، واللاوطن، واللاأخلاق؛ أي القطيعة معَ المرجعيةِ الإيمانيةِ، وإضعاف الانتماءِ الوطنيِّ، وفصل السلوكِ عنْ ضوابطهِ.

وتابع فضيلته، فِي خِضَمِّ هذا المَشهَدِ، تَتَجاذَبُ وَعْيَ الأَبْنَاءِ نَزْعَتَانِ مُتَقَابِلَتَان: التَّطَرُّفُ وَالإِلْحادُ الرَّقْمِيُّ؛ وَكِلْتاهُمَا تَتَغَذَّى علَى الفَراغِ العاطِفِيِّ، وَتَسْتَثْمِرُ هَشاشَةَ الوعْيِ وَوَهْمَ المَعرِفَةِ. كما أكد أن دارِ الإفتاءِ المصريةِ، ومنْ ورائها الأمانةُ العامةُ لدورِ وهيئاتِ الإفتاءِ في العالمِ، ينطلقان منْ إرثٍ مؤسسيٍّ يمتدُّ لأكثرَ منْ مئةٍ وثلاثينَ عامًا، يدركان منْ خلالهِ أنَّ الفتوى ليستْ مجردَ إجابةٍ عنْ سؤالٍ، بلْ هيَ «إدارةٌ لدفةِ الحياةِ» في ضوءِ الوحيِ الشريفِ، ومن ثم لم تقف دار الإفتاء عندَ حدودِ النقلِ الحرفيِّ والتكييفِ الفقهيِّ بعدَ وقوعِ النزاعِ، بل انتقلت إلى ما نسميهِ «الفقهَ الاستباقيَّ»: فقه يعالجُ الأسبابَ قبلَ وقوعِ النتائجِ، ويرصدُ المآلاتِ، ويحصنُ العقولَ قبلَ أنْ تخترقَها الشاشاتُ.
وفي ختام كلمته أكد فضيلة المفتي أنه لمْ يعدْ مُجديًا أنْ تعملَ المؤسساتُ في جزرٍ منعزلةٍ، بلْ نحتاجُ إلى تبادلٍ معرفيٍّ وعقلٍ جمعيٍّ مؤسسيٍّ يجمعُ أصالةَ النصِّ وعمقَ التحليلِ وفهمَ الواقعِ الرقميِّ، تحتَ مظلةِ روحِ الشريعةِ وعدالتها، والدولة المصرية، بقيادتها الحكيمةِ، مشددًا على أن الأمانة ثقيلة والمهمة جسيمة، وأننا مطالبونَ اليومَ بنقلِ الفتوى العلميةِ إلى أفقٍ أرحبَ تلامسُ فيهِ الهمومَ البشريةَ، وفي مقدمتها بنيةُ الأسرةِ؛ ضمنَ رؤيةٍ إفتائيةٍ مستجدةٍ تستشرفُ المستقبلَ، ويتعاضدُ فيها الاستنباطُ الفقهيُّ الحيُّ المرنُ معَ علومِ الطبِّ والنفسِ والاجتماعِ والتقنيةِ والقانونِ؛ حتى نقدمَ حمايةً تسبقُ الخطرَ، وعلاجًا ينفذُ إلى أسبابهِ، وهويةً منفتحةً على العصرِ منْ غيرِ أنْ تذوبَ فيهِ، داعيًا إلى أن يكون “الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة” مادة تدرس لطلاب كليات الشريعة الإسلامية في مرحلة الدراسة الجامعية، والدراسات العليا، الأمر الذي يضمن تأهيل طالب الشريعة لأن يقدم فتوى رشيدة خاصة بالشأن الأسري لا يجنح فيها إلى التقليد أو إلى الشذوذ
بوابة الوقائع لكل خبر حكاية