بوابة الوقائع | مقالات رأي
حين تضيع الحقيقة بين ضجيج الشائعات، وتصبح الكلمة مسؤولية لا مجرد وسيلة للنشر
لم يعد الإعلام في زمننا الراهن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، أو نافذة يطلّ من خلالها الجمهور على الأحداث، بل أصبح ساحةً مفتوحة للصراع على العقول، وتشكيل الوعي، وتوجيه الرأي العام.
ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه من الإعلام أن يكون صوت الحقيقة، ومرآة الواقع، وحارسًا لوعي المجتمعات، وجدنا أنفسنا أمام مشهد إعلامي مضطرب، تتداخل فيه الحقائق بالأكاذيب، وتتنافس فيه المهنية مع الإثارة، وتتراجع فيه المسؤولية أمام الرغبة المحمومة في تحقيق السبق والانتشار
إنها فوضى لا تُقاس بكثرة الأصوات، بل بغياب المعايير التي تميّز بين الحقيقة والتضليل
في زمن الفوضى، لم تعد خطورة الخبر في مضمونه وحده، بل في توقيته، وطريقة صياغته، والجهة التي تقف وراءه، والأثر الذي يتركه في نفوس المتلقين. فقد تتحول صورة قديمة إلى دليل مزيف على واقعة جديدة، ويصبح مقطع مصوّر مبتور السياق وسيلة لتأجيج الكراهية، بينما تنتشر الشائعة في دقائق معدودة، وتحتاج الحقيقة إلى ساعات أو أيام لتجد طريقها إلى الجمهور
وهنا تتجلى إحدى أخطر أزمات الإعلام المعاصر؛ إذ لم يعد السباق محصورًا فيمن يمتلك المعلومة الصحيحة، وإنما أصبح، في كثير من الأحيان، سباقًا نحو من ينشر أولًا، ويحصد أكبر عدد من المشاهدات والتفاعلات، حتى وإن كان الثمن تشويه الحقيقة، أو انتهاك خصوصية الأفراد، أو الإضرار بأمن المجتمع واستقراره
من يصنع الوعي حين يتحول الإعلام إلى أداة للتضليل؟
إن الإعلام الذي يتخلى عن معاييره المهنية يفقد أهم مقومات وجوده لأن قيمته الحقيقية لا تكمن في حجم جمهوره، ولا في عدد متابعيه، ولا في قدرته على إثارة الجدل، وإنما في مقدار الثقة التي يزرعها في نفوس الناس
فليس كل من امتلك هاتفًا ذكيًا أصبح صحفيًا، وليس كل من أنشأ صفحة إعلامية أصبح مؤهلًا لتوجيه الرأي العام، كما أن كثرة المتابعين لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية، ولا تعفيه من مسؤولية الكلمة التي ينشرها
إن حرية التعبير حق أصيل، لكنها لا تعني إطلاق العنان للفوضى، ولا تمنح أحدًا الحق في اختلاق الوقائع أو توجيه الاتهامات دون دليل. فالحرية التي لا تستند إلى المسؤولية قد تتحول إلى وسيلة للإساءة، والمعلومة التي لا تخضع للتحقق قد تصبح أداة لتدمير سمعة إنسان، أو تفكيك مجتمع، أو إشعال صراع لا يعرف أحد كيف يوقفه
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الإعلاميين اليوم ليس مجرد امتلاك أدوات النشر الحديثة، بل امتلاك الوعي الذي يجعلهم قادرين على استخدام هذه الأدوات بمهنية، وإدراك أن وراء كل خبر مجتمعًا يتأثر، وأسرة قد تتألم، وإنسانًا قد تتغير حياته بسبب معلومة غير دقيقة
الإعلام والحروب: عندما تصبح الكلمة جزءًا من المعركة
تتضاعف مسؤولية الإعلام في المجتمعات التي تعيش الحروب والأزمات والنزاعات، حيث تصبح المعلومة حاجة إنسانية وأمنية، ويغدو التحقق منها ضرورة لا تقبل التهاون
وفي السودان، حيث ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين، ودفعت الملايين إلى النزوح والتشرد، وخلّفت جراحًا عميقة في النسيج الاجتماعي، أصبحت المسؤولية الإعلامية أكثر حساسية وتعقيدًا
ففي مثل هذه الظروف، لا ينبغي للإعلام أن يكون صدى للرصاص، ولا منصة لتبادل الاتهامات، ولا أداة لتغذية الكراهية والانقسامات بل يجب أن يكون شاهدًا أمينًا على معاناة الإنسان، وناقلًا لصوت الضحايا، وكاشفًا للحقائق وفق الأدلة المتاحة، ومدافعًا عن كرامة المدنيين وحقهم في الحياة والأمان
إن نقل معاناة المواطنين ليس استثمارًا في آلامهم، وتصوير الضحايا ليس وسيلة لجمع المشاهدات، ونشر أخبار القتلى والمصابين ليس مجرد مادة إعلامية عابرة؛ فخلف كل اسم حكاية، وخلف كل صورة أسرة، وخلف كل مأساة إنسان يستحق أن تُصان كرامته
كما أن تناول القضايا الوطنية في أوقات النزاع يتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة والدقة؛ لأن الكلمة غير المسؤولة قد تُعمّق الانقسام، بينما يمكن للكلمة المهنية أن تسهم في حماية المجتمع، وتوضيح الحقائق، وفتح مساحات للحوار، والحد من خطاب الكراهية
فالإعلام في زمن الحرب ليس مطالبًا بأن يصمت عن الحقيقة، بل بأن يقولها بمهنية وشجاعة، بعيدًا عن التحريض والتضليل والانتقائية
أزمة الضمير قبل أزمة المعلومة
إن أخطر ما يواجه الإعلام اليوم ليس التطور التكنولوجي، ولا سرعة تداول الأخبار، ولا تعدد المنصات، وإنما غياب الضمير المهني لدى بعض ممارسي العمل الإعلامي فالتكنولوجيا بطبيعتها أداة محايدة، يمكن أن تكون جسرًا لنشر المعرفة، كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة لترويج الأكاذيب. والمنصات الرقمية تستطيع أن تمنح المهمشين فرصة لإيصال أصواتهم،
لكنها قد تمنح الشائعات أيضًا مساحة أوسع للانتشار
أما الفارق الحقيقي، فيكمن في الإنسان الذي يستخدم هذه الأدوات، وفي القيم التي تحكم قراراته، وفي مدى التزامه بالصدق والإنصاف واحترام كرامة الآخرين.
إن الصحفي الذي ينشر خبرًا دون التحقق منه لا يخطئ في معلومة فحسب، بل يضعف ثقة الجمهور في المهنة بأكملها.
والإعلامي الذي يختار ما يوافق توجهاته ويتجاهل ما يخالفها يساهم في صناعة وعي منقوص، بينما الذي يخلط بين الرأي والخبر، أو يقدم الاتهامات باعتبارها حقائق ثابتة، يفتح الباب أمام التضليل ويقوّض أسس النقاش العام المسؤول.
ومن مقتضيات المهنية أن يميّز الإعلامي بين المعلومة المؤكدة والادعاء، وأن ينسب التصريحات إلى مصادرها، وأن يمنح الأطراف المعنية حق الرد، وأن يصحح الأخطاء بوضوح عندما تقع
فالمصداقية لا تعني ادعاء العصمة من الخطأ، بل تعني الشجاعة في الاعتراف به، والالتزام بتصحيحه، وعدم الإصرار عليه دفاعًا عن موقف أو مصلحة.
هل أصبح الجمهور ضحية أم شريكًا في صناعة الفوضى؟
لا يمكن تحميل المؤسسات الإعلامية وحدها مسؤولية الفوضى المعلوماتية؛ فالمتلقي نفسه أصبح طرفًا مؤثرًا في معادلة النشر والانتشار.
إن الضغط على زر المشاركة قد يستغرق ثانية واحدة، لكنه قد يساهم في نشر اتهام باطل، أو إثارة الذعر، أو إعادة تداول صورة مؤلمة دون مراعاة لحقوق أصحابها. ولذلك، فإن الوعي الإعلامي لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل أصبح ضرورة مجتمعية.
على الجمهور أن يتعلم التحقق من مصادر الأخبار، ومقارنة المعلومات، والتمييز بين المحتوى المهني والمحتوى المصمم للاستفزاز، وألا يجعل من سرعة وصول الخبر معيارًا لصدقيته.
كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بتعزيز ثقافة التحقق والتفكير النقدي، حتى لا يتحول المجتمع إلى جمهور مستهلك لكل ما يُنشر، دون سؤال أو تمحيص.
فالمجتمع الواعي لا يكتفي بالسؤال: ماذا حدث؟ بل يسأل أيضًا: من أين جاءت المعلومة؟ وما الدليل عليها؟ وهل نُقلت في سياقها الصحيح؟ وما الأثر المحتمل لإعادة نشرها؟
نحو إعلام يستعيد رسالته
إن استعادة دور الإعلام في زمن الفوضى لا تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بمجرد المطالبة بالالتزام بالمهنية، بل تحتاج إلى خطوات عملية تبدأ من داخل المؤسسات الإعلامية، وتمتد إلى البيئة القانونية والمجتمعية التي يعمل فيها الصحفيون.
وتتمثل أولى هذه الخطوات في ترسيخ ثقافة التحقق قبل النشر، وتعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية، وتطوير قدرات الصحفيين المهنية، وحماية حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، واحترام أخلاقيات النشر، ومواجهة خطاب الكراهية والتضليل دون اتخاذ ذلك ذريعة لإسكات الأصوات المستقلة أو تقييد حرية التعبير.
كما ينبغي التمييز بين النقد المشروع والتحريض، وبين كشف التجاوزات والتشهير، وبين حرية الرأي وترويج المعلومات المضللة.
ويظل الصحفي المهني مطالبًا بالوقوف على مسافة واحدة من الحقيقة، لا بالضرورة على مسافة واحدة من جميع الروايات؛ لأن الإنصاف لا يعني مساواة الادعاء بالدليل، ولا يعني منح المعلومات الكاذبة الوزن نفسه الذي تستحقه الوقائع المثبتة.
إن وظيفة الإعلام ليست إرضاء الجميع، ولا تبرير مواقف الجهات النافذة، ولا صناعة أبطال وهميين أو خصوم دائمين، بل تقديم المعلومات الموثوقة، وطرح الأسئلة الصعبة، ومراقبة أداء المؤسسات، وإبقاء قضايا الناس في دائرة الاهتمام العام.
الخاتمة: الكلمة مسؤولية، والحقيقة أمانة
في نهاية المطاف، سيظل الإعلام أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل مستقبل المجتمعات، لكن هذا التأثير قد يكون جسرًا نحو الوعي والاستقرار، وقد يتحول إلى طريق يقود إلى التضليل والانقسام، بحسب طبيعة الرسالة والقيم التي تحكمها.
إننا لا نحتاج إلى إعلام يرفع صوته أكثر من الآخرين، بقدر ما نحتاج إلى إعلام يمتلك الشجاعة ليقول الحقيقة، والحكمة ليعرضها بمسؤولية، والنزاهة ليفصل بين الوقائع والأهواء، والإنسانية ليضع كرامة الإنسان فوق اعتبارات الشهرة والمكاسب.
وفي السودان على وجه الخصوص، حيث تتعاظم الحاجة إلى الحقيقة وسط أوجاع الحرب وتحديات المرحلة، يصبح الإعلام المهني مسؤولية وطنية وأخلاقية، لا تحتمل المساومة ولا تقبل الاستخدام الرخيص.
فالأوطان لا تُبنى بالشائعات، والمجتمعات لا تتعافى بخطاب الكراهية، والوعي لا يُصنع بتزييف الحقائق، وإنما يبدأ الإصلاح حين يدرك كل إعلامي أن كلمته قد تفتح نافذة للأمل، أو تضيف جرحًا جديدًا إلى جسد وطن أنهكته الأزمات.
إن معركة الإعلام الحقيقية ليست معركة ميكروفونات ولا منصات ولا أعداد متابعين؛ إنها معركة بين الحقيقة والتضليل، وبين الضمير والمصلحة، وبين المسؤولية والفوضى.
وحين يختار الإعلامي أن يكون صوتًا للحقيقة لا صدى للفوضى، فإنه لا يؤدي واجبه المهني فحسب، بل يسهم في حماية الوعي العام، وصون كرامة الإنسان، وبناء مستقبل أكثر عدلًا ووعيًا
ففي زمن الفوضى، لا تكمن بطولة الإعلامي في أن يكون أول من ينشر الخبر، بل في أن يكون أهلًا للثقة حين ينشره.
بوابة الوقائع لكل خبر حكاية