أخبار عاجلة
أشعار محمود درويش
أشعار محمود درويش

سلمي سمير تكتب: محمود درويش.. شاعر المنفى وصوت فلسطين

سلمي سمير تكتب: محمود درويش.. شاعر المنفى وصوت فلسطين

لم يكن الشاعر الفلسطيني محمود درويش مجرد صوت شعري ارتبط بالقضية الفلسطينية، بل يُعد واحدًا من أبرز رموز الشعر العربي الحديث الذين شكّلوا تجربة إنسانية وفكرية امتزج فيها الوطن بالمنفى، والذاكرة بالهوية، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بفلسطين في الوعي الثقافي العربي.

وُلد محمود درويش عام 1941 في قرية البروة الفلسطينية، وعاش طفولته في بيئة ريفية هادئة قبل أن تغيّر النكبة عام 1948 مسار حياته بالكامل، حين اضطرت أسرته إلى الهجرة إلى لبنان. وبعد عودته السرّية إلى فلسطين، وجد أن قريته قد دُمّرت بالكامل، مما جعله يعيش صدمة فقدان المكان والهوية معًا. ومن هنا تشكّل مفهوم “الحاضر الغائب” في تجربته، وهو وصف يُطلق على الفلسطينيين الذين بقوا داخل حدود الدولة بعد النكبة، لكنهم حُرموا من الاعتراف الكامل بوجودهم وحقوقهم، فصاروا حاضرين جسديًا وغائبين قانونيًا ووطنيًا في الوقت نفسه.

واسمي، إن أخطأتُ لَفْظَ اسمي بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي:

ميمُ: المُتَيَّمُ والمُيَتَّمُ والمُتَمِّمُ ما مضى.

حاءُ: الحديقةُ والحبيبةُ، حيرتانِ وحسرتان.

ميمُ: المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعِدُّ لموته، الموعود منفيّاً، مريضَ المُشْتَهَى.

واوُ: الوداعُ، الوردةُ الوسطى، ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ، وَوَعْدُ الوالدين.

دالُ: الدليلُ، الدربُ، دمعةُ دارةٍ دَرَسَتْ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني.

وهذا الاسمُ لي ولأصدقائي، أينما كانوا..ولي جَسَدي المُؤَقَّتُ، حاضراً أم غائباً.

درويش صوت فلسطين

ارتبط شعر محمود درويش بالقضية الفلسطينية ارتباطًا كبيرًا، حيث كتب عن الاحتلال والتهجير والسجن والمنفى، وجعل من الشعر وسيلة للتعبير عن الهوية والإنسان. كما تعرّض للاعتقال ووُضع تحت الإقامة الجبرية من قبل السلطات الإسرائيلية بسبب قصائده ومواقفه السياسية، إضافة إلى انضمامه المبكر للحركة الشيوعية داخل فلسطين.

الشاعر الفلسطيني محمود درويش
الشاعر الفلسطيني محمود درويش

علَى هَذِهِ الأَرْض مَا يَسْتَحِقُّ الحَياةْ:

تَرَدُّدُ إبريلَ, رَائِحَةُ الخُبْزِ فِي الفجْرِ، آراءُ امْرأَةٍ فِي الرِّجالِ، كِتَابَاتُ أَسْخِيْلِيوس، أوَّلُ الحُبِّ، عشبٌ عَلَى حجرٍ، أُمَّهاتٌ تَقِفْنَ عَلَى خَيْطِ نايٍ, وخوفُ الغُزَاةِ مِنَ الذِّكْرياتْ.

عَلَى هَذِهِ الأرْض ما يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ:

نِهَايَةُ أَيلُولَ، سَيِّدَةٌ تترُكُ الأَرْبَعِينَ بِكَامِلِ مشْمِشِهَا, ساعَةُ الشَّمْسِ فِي السَّجْنِ، غَيْمٌ يُقَلِّدُ سِرْباً مِنَ الكَائِنَاتِ، هُتَافَاتُ شَعْبٍ لِمَنْ يَصْعَدُونَ إلى حَتْفِهِمْ بَاسِمينَ, وَخَوْفُ الطُّغَاةِ مِنَ الأُغْنِيَاتْ.

عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ:

عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ أُمَّ النِّهَايَاتِ. كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين.

سَيِّدَتي: أَستحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ

ريتا حبيبة محمود درويش

ومن الجوانب التي حظيت باهتمام نقدي واسع في تجربته الأدبية، الإشارة إلى علاقة عاطفية وردت في بعض نصوصه تحت اسم “ريتا”، والتي ارتبطت في قراءات نقدية بفتاة يهودية، وتحولت لاحقًا إلى رمز أدبي يعكس التداخل بين الحب والهوية والصراع السياسي.

بين ريتا وعيوني… بندقيَّة
والذي يعرف ريتا , ينحني
ويصلي
لإلهٍ في العيون العسليَّة !
..وأنا قبَّلت ريتا
عندما كانت صغيره
عندما كانت صغيره
وأنا أذكر كيف التصقتْ
بي, وغَطَّتْ ساعدي أحلي ضفيرة
وأنا أذكر ريتا
مثلما يذكر عصفورٌ غديرَهْ
آه.. ريتا
بيننا مليون عصفور وصوره
ومواعيدُ كثيرة
أطلقتْ ناراً عليها.. بندقيَّة

محمود درويش في مصر

غادر درويش فلسطين عام 1970، وكانت القاهرة محطة مهمة في مسيرته الثقافية، حيث عمل في جريدة الأهرام بدعوة من الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل. وقد وصف درويش القاهرة بأنها المكان الذي شعر فيه لأول مرة بأنه جزء من فضاء عربي واسع، وأنه خرج من حدود التجربة الفلسطينية إلى أفق ثقافي وإنساني أكثر اتساعاً. كما اعتبر أن وجوده في مصر منحه نضجًا فكريًا مختلفًا، وخلال تلك الفترة، تعرّف على عدد من كبار الأدباء، من بينهم نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم، كما ارتبط بعلاقات فكرية مع شعراء مثل أمل دنقل وصلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الأبنودي.

أشعار محمود درويش
أشعار محمود درويش

محمود درويش سياسيًا

انخرط درويش في العمل الوطني الفلسطيني، حيث شغل عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكتب نص إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988. غير أنه استقال لاحقًا احتجاجًا على اتفاق أوسلو، معتبرًا أنه لم يحقق الحقوق الوطنية الفلسطينية الكاملة، ولم يُنهِ حالة الاحتلال.

وعلى المستوى الإنساني، لم يكن درويش مجرد شاعر مقاومة، بل كان إنسانًا يميل إلى العزلة، يرى في القهوة رفيقًا للكتابة، ويجد في صوت أم كلثوم امتدادًا لروحه، وكأن تفاصيله اليومية جزء من قصيدته الخاصة. 

وفاة محمود درويش

رحل محمود درويش عام 2008، إلا أنه ما زال حاضرًا في الذاكرة العربية بأشعاره التي عبّرت عن فلسطين والإنسان معًا. ولم يكن مجرد شاعر مقاومة فقط، بل شاعر حمل في كلماته معنى الوطن والحنين والمنفى، وظل حضوره الأدبي ممتدًا في الوعي الثقافي العربي حتى اليوم. وما زالت قصائده حتى اليوم تُقرأ وكأنها صوت حيّ لا يزال يروي حكاية لم تنتهِ بعد.

الشاعر الفلسطيني محمود درويش
الشاعر الفلسطيني محمود درويش

أيُّها الموتُ انتظر! حَتَّى أُعِدَّ حقيبتي:

فرشاةَ أسناني، وصابوني،وماكينةَ الحلاقة، والكولونيا، والثياب..

هل المناخُ هناك معتدلٌ؟وهل تتبدلُ الأحوالُ في الأبديةِ البيضاء،أم تبقى كما هي في الخريف وفي الشتاء؟

وهل كتابٌ واحدٌ يكفي لتسليتي مع اللاوقت،أم أحتاج مكتبةً؟

وما لغةُ الحديث هناك،دارجةٌ لكل الناس، أم عربيةٌ فصحى؟”

عن Admin

شاهد أيضاً

IMG 20260514 WA0035 «رائد» تطلق أولى فعاليات الحوار المجتمعي لدعم أهداف مبادرة «تيراميد» في جنوب الصعيد

«رائد» تطلق أولى فعاليات الحوار المجتمعي لدعم أهداف مبادرة «تيراميد» في جنوب الصعيد

أمير أبورفاعي  استضافت مدينة قنا أولى فعاليات الحوار المجتمعي الذي أطلقته الشبكة العربية للبيئة والتنمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *