الرئيسية / سلايدر / سلسلة أعرفهم: تاريخ حركات العنف المتدين 1- تنظيم جيش محمد 1972
تنظيم صالح سرية أثناء المحاكمات
تنظيم صالح سرية أثناء المحاكمات

سلسلة أعرفهم: تاريخ حركات العنف المتدين 1- تنظيم جيش محمد 1972

بوابة الوقائع – عصام الحوت

استيقظت مصر صباح يوم 18 أبريل عام 1974، على خبر غريب وصادم تناقلته وكالات الأنباء العالمية وأذاعته إذاعة لندن الشهيرة والمصدر الموثوق في نقل ومعرفة الأخبار في هذه الفترة الزمنية، وكان ملخص الخبر هو فشل محاولة انقلاب عسكري من داخل الكلية الفنية العسكرية بمنطقة العباسية.

في البداية لم يعرف المصريون أي تفاصيل حتى بدأت الوقائع تتكشف، وهي أن مجموعة من طلبة الكلية الفنية العسكرية لهم ميول واتجاهات دينية، قامت بمحاولة الاستيلاء على الكلية والأسلحة التي بها تمهيدا للقيام بالانقلاب على حكم الرئيس السادات الذي لم يكمل عامه الثاني بعد وفاة الزعيم جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970، في بلد تعاني احتلال جزء من أراضيها بعد هزيمة 1967، كما تعاني انشقاقا داخليا وصراع سلطة بين قيادات الاتحاد الاشتراكي ومجلس قيادة الثورة.

ما هو التنظيم ومن قادته

كان السؤال الأبرز بعد فشل عملية الانقلاب التي أودت بحياة 17، وإصابة العشرات، هو من وراء المحاولة ومن هؤلاء الشباب ومن أين أتوا وما هي أفكارهم؟ خاصة أنه في هذه الفترة لم يكن معروفا سوى جماعة الإخوان المسلمين والتي تم القبض على قياداتها وإعدام بعضهم في أحداث قضية تفجير القناطر وإحياء التنظيم السري لجماعة الإخوان بقيادة حسن البنا الشهيرة.

كان الأسم الأشهر في قضية الفنية العسكرية هو صالح سرية، وهو ما أطلق عليه الأمن قائد التنظيم ومفكره الأول، ثم بعض الأسماء الأخرى المعاونة لصالح سرية ومنهم طلال الأنصاري الرجل الثاني، وإسماعيل الطنطاوي ثم الرجل الغامض والأهم كما سيظهر بعد ذلك يحيى هاشم.

فمن هو صالح سرية؟ فلسطيني المولد عراقي النشأة أردني الجنسية مصري التعليم

صالح سرية
صالح سرية

ولد صالح عبد الله سرية فى قرية إجزم بقضاء حيفا بفلسطين عام 1937م، ومكث بها حتى أكمل دراسته الابتدائية، ونقله الجيش العراقى الذي كان يعمل ضمن (جيش الإنقاذ) العربى فى 1948م إلى بغداد ليكمل بها تعليمه ليدخل كلية الشريعة بجامعة بغداد، بتزكية من مرشد الإخوان فى العراق وقتها.

قام صالح سرية في هذا التوقيت بتأسيس مجموعة فلسطينية سُميت بـ(جبهة التحرير الفلسطينية) تنتمي فكريا إلى الإخوان المسلمين بالعراق، وبعد ثورة 1958م فى العراق التى قادها عبد الكريم قاسم، حدث خلاف بين (قاسم) والإخوان، لجأ بسببه صالح سرية إلى العمل السرى حتى نجح في الفرار من العراق إلى سوريا عقب اتهامه بمحاولة اغتيال أحمد حسن البكر، القيادى البارز بحزب البعث العراقي، والذى أصبح رئيسا للعراق فيما بعد، ومن سوريا انتقل إلى الأردن، التى حصل على جنسيتها، ليرتبط بحزب التحرير الإسلامى الذى يدعو إلى إعادة الخلافة، ويلتقى بالشيخ تقى الدين النبهانى، أحد قيادات الحزب، ليأخذ عنه فقه التغيير بالقوة.

بعد توجه سرية إلى القاهرة ليحصل على رسالة الدكتوراة فى التربية من جامعة عين شمس عام 1972م ليعمل بمنظمة التربية والثقافة والعلوم (الأونسكو) التابعة لجامعة الدول العربية ما يفسر حياته المرفهة التى ظهرت أثارها عليه، مثل سيارته المرسيدس الفارهة، الملفتة للنظر فى بداية السبعينات ولهجته الشامية، التي أثارت رفض شباب الجهاديين حديثى السن، الذين قابلوه لبيعته، كما كتب عنه طلال الأنصارى، الرجل الثانى فى تنظيم الفنية العسكرية، عن جهاده فى فلسطين وبطولاته، وريادته وكونه من الرعيل الأول للجهاد أقنعتهم بـ”صالح سرية” أميرا للجهاد.

علاقة صالح سرية بزينب الغزالي وجماعة الإخوان بمصر

عند وصول صالح سرية للقاهرة عام 1971م، توجه مباشرة إلى زينب الغزالى، داعية الإخوان التى استقبلته وزوجته وأبناءه التسعة، ثم قدمته إلى المستشار حسن الهضيبى، المرشد العام للإخوان وقتها، كما قامت بتعريفه بمجموعة من الشباب المنتمي لجماعة الإخوان ومنهم طلال الأنصارى، وإسماعيل الطنطاوى، ويحيى هاشم، الشباب الذين كانوا فيما بعد قيادات تنظيمه الجهادى.

لم ينتظر صالح سرية كثيرا حيث بدأ فورا باستعادة نشاطاته السرية والتي بدأها في العراق، فقام بإنشاء أنشأ تنظيمه الجهادى، والذي أطلق عليه اسم “جنود محمد” ووضع دستوره وأفكاره في منشور أسماه “رسالة الإيمان” والذي أصبح بعد ذلك من أهم المراجع والأدبيات الفكرية في تاريخ الفكر التكفيري الإرهابي لسنوات كثيرة بعد ذلك.

تنظيم “جند محمد” أول تنظيم إرهابي في تاريخ مصر

شهد تنظيم “جند محمد” جغرافيا فى العديد من المحافظات عبر مجموعات جهادية مختلفة؛ فأنشأ مجموعة الإسكندرية ووكل عنه لقيادتها طلال الأنصارى، ومجموعة بورسعيد، ووكل لقيادتها أحمد صالح، ومجموعة القاهرة والجيزة، التى تولى مسؤوليتها حسن الهلاوى ومصطفى يسرى، ومجموعة قنا التى قادها محمد شاكر الشريف، بينما أبقى سرية مجموعة الفنية العسكرية التى قادها كارم الأناضولى وباقى الكليات العسكرية لقيادته المباشرة.

كان الهدف من إنشاء صالح سرية لتنظيم الفنية العسكرية، عمل انقلاب عسكرى على الحكم، عبر الاستيلاء على أسلحة الكلية الفنية العسكرية بمعاونة أعضاء التنظيم داخلها ثم الاستيلاء على مبنى الاتحاد الاشتراكى أثناء اجتماع السادات، وإعلان الانقلاب العسكرى، المحاولة التى باءت بالفشل بعد أن أبلغ اثنين من أعضاء التنظيم عن العملية.

وثيقة رسالة الإيمان أول ركائز تكفير المجتمع والحاكم

ضمن صالح سرية فكره الجهادى فى كتابات أهمها وثيقة حملت عنوان (رسالة الإيمان)، واشتملت دعائم فكره على مقولات تبناها الجهاديون من بعده، وصارت ركيزة لفكر السلفية الجهادية وبوادر له، أهمها تكفير الحاكم الذى لا يحكم بما أنزل الله، ودون الأخذ بعذر الحاكم إذا اعتذر عن عجزه على تطبيق الشرع، وتكفير من لم يكفر الحاكم الذى لا يحكم بشرع الله، وتكفير من تعاون معه وارتضى بأحكامه وقوانينه، ووجد فى الجهاد الوسيلة للقضاء على الحاكم، واهتم بالانقلابات العسكرية التى ينفذها أفراد قلائل ولكنها تنجح فى تغيير مصير شعوب.

قام صالح سرية في هذا الوقت بتوجيه أتباعه إلى دراسة المذهب الظاهرى وكتب على بن حزم الأندلسى الظاهرى، خصوصا لما فيها من رفض للتأويل وأخذ بظاهر الحديث، ما يتفق مع مدرسة الحديث التى اعتنقها بعد ذلك معظم التيارات الجهادية، وكان له تأثير كبير في إنشاء التنظيم التالي وهو تنظيم شكري مصطفى الذي أسماه “جماعة المسلمين” وعرف بتنظيم التكفير والهجرة، لهذا يعتبر تنظيم الفنية العسكرية، بقيادة صالح سرية هو أول انقلاب عسكرى يرفع شعار ديني إسلامى، وكان نتاج أول تنظير إسلامى لفقه الانقلابات العسكرية.

علاقة التنظيم بجماعة الإخوان

أكد عدد من الباحثين بناء على شهادات قيادات وأعضاء تنظيم الفنية العسكرية، على علاقة التنظيم بجماعة الإخوان في ذلك الوقت، حيث قال طلال الأنصاري أحد قادة التنظيم والرجل الثاني فيه إن اتفاقا غير مكتوب، جرى بين الإخوان عبر زينب الغزالى وصالح سرية يقضي بتسليم الحكم إلى الإخوان إذا نجح الانقلاب، وتنصل الإخوان منه إذا فشل.

وثائق ويكيلكس تكشف الكثير

كعادتها كشفت وثائق ويكيليكس عن تقارير السفير الأمريكى بالقاهرة في ذلك الوقت حول محاولة الانقلاب الفاشلة، والتى تضمنت معلومات عن منفذ العملية وتفاصيلها وعلاقة ذلك بجماعة الإخوان المسلمين.

ففى وثيقة بتاريخ 27 إبريل 1974 أرسل السفير الأمريكى رسالة إلى الخارجية الأمريكية وعدد من سفاراتها فى السعودية وليبيا ولبنان، يوضح فيها هوية منفذ التفجير وعلاقته بالإخوان المسلمين بعنوان «الاتصال بين منفذ هجوم الفنية العسكرية وجماعة الإخوان المسلمين»

وفى الوثيقة يوضح السفير أنه لا يوجد سوى تقرير واحد يفيد بأن «صالح سرية» كان عضواً قديماً بجماعة الإخوان المسلمين، وعدا ذلك فليس هناك ما يؤكد اتصال تنظيم الإخوان الحالى بالهجوم، ولكنها أشارت إلى بعض الدلائل التى توضح اتصاله بما سمته «التنظيم القديم للإخوان».

ولفتت الوثيقة إلى وجود تقارير صحفية تحدثت عن علاقة «سرية» بمرشد الإخوان الراحل «حسن الهضيبى» قبيل وفاته، كما أن الشيخ «محمد الغزالى»، مستشار وزارة الأوقاف في ذلك الوقت، قد تم استبداله بإمام آخر بمسجد عمرو بن العاص حتى تنتهى التحقيقات وتتبين طبيعة موقفه من القضية، بعدما ذكر «سرية» اسمه فى التحقيقات وادعى أنه كان على اتصال به.

وعلقت السفارة الأمريكية، بحسب الوثائق، على هذه المعلومات بترجيح اتصال «سرية» بالإخوان قائلة: «إن المعلومات سالفة الذكر هى مثيرة حقاً، حيث توحى بأن (سرية) قد يكون قد لجأ بالفعل إلى مساعدة الإخوان مستنداً فى ذلك إلى علاقته بالتنظيم القديم للجماعة».

وقد سبقت تلك البرقية مجموعة من المراسلات الممتدة فى الفترة من 23 إلى 26 إبريل تتحدث عن التفجير وأسبابه وأهدافه، ففى 23 إبريل 1974، أرسل السفير الأمريكى بالقاهرة برقية إلى الخارجية الأمريكية وسفارتيها بكل من المملكة العربية السعودية وليبيا، تحمل الرقم 1974CAIRO02521_b  ومعنونة بــ«الهجوم على الكلية الفنية العسكرية»، كشف من خلالها عن المعلومات التى قدمها السفير السعودى بالقاهرة «فؤاد نظير» لنظيره الأمريكى، وأخبره فيها عن التفاصيل التى تمكن من الوصول إليها فيما يتعلق بالحادث.

أخبر «نظير» السفارة – وفق ما ورد بالوثيقة – «إن الغرض من تنفيذ الهجوم هو السيطرة على أربعين دبابة لاستخدامها فى استهداف عدد من الوزارات المصرية الحساسة، وإجبار السادات على تقديم استقالته»، كما أفادت المعلومات التى قدمها «نظير» بتورط بعض طلبة الكلية الفنية العسكرية فى الحادث، وعن تشكك أجهزة الأمن المصرية فى تورط بعض الضباط المنتمين للكلية أيضاً.

كما أوضحت المعلومات التى قدمها السفير السعودى أن «التحقيقات مع من تم القبض عليهم، أظهرت إنهم إما أصدقاء لطلاب الكلية، أو أبناء لضباط معينين بها، ومن ثم كان لديهم معلومات وافية حول الكلية وما تحتويه من معدات وأجهزة».

علاقة التنظيم بالسلطات الليبية ومعمر القذافي

وفى السياق نفسه أضافت الوثيقة أن الحكومة المصرية، وفق المعلومات التى أوردها السفير السعودي في القاهرة «فؤاد نظير»، تتهم القذافى بكونه الفاعل الرئيسى وراء هذا الحادث، مستشهدة فى ذلك بزيارة وزير الداخلية الليبى «محمد الحميدى» والتقائه «أشرف مروان»، وكذلك بالزيارة المرتقبة التى سيقوم بها قائد القوات الجوية «حسنى مبارك» إلى ليبيا، فى غضون اليومين المقبلين.

وعن العلاقات الليبية المصرية أشارت الوثيقة على لسان «نظير» إلى لقاء جمع بين الرئيس السادات و«أبوبكر يونس» أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة الليبية، حيث سلمه السادات ملفاً يحتوى 26 صفحة به جميع الأعمال التى ارتكبتها ليبيا ضد مصر منذ حرب أكتوبر، وأنه من المفترض أن يعرض «يونس» الملف على المجلس، حيث هدده السادات أنه فى حال استمرت ليبيا فى أعمال التخريب هذه، فسوف يقوم بنشر الملف.

وتقول الوثيقة إن السفير السعودى ظل يلاحق وزير الداخلية المصرى لمعرفة المزيد من التفاصيل، وإنه أخبره أنه فى حال عدم توفير المعلومات الكافية عن الحادث فسيعتقد الملك «فيصل» بأن الأوضاع الأمنية فى مصر غير مستقرة، موصياً الوزير المصرى بأن يخرج السادات ويفصح بنفسه فى بيان واضح عن هذه المعلومات.

وفيما يتعلق بالفاعل، رأت السفارة أن «الحدث قد ألقى الضوء على واحدة أو اثنتين من الجماعات الإسلامية التى قد تكون أو لا تكون على علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، والتى تتطابق أهدافها وسياساتها مع أهداف وسياسات الإخوان، فأهدافها سياسية، وتتخذ من العنف وسيلة لبلوغ أهدافها».

وفى يوم 24 إبريل، أرسل السفير الأمريكى برقية أخرى إلى الخارجية بواشنطن تحمل الرقم 1974CAIRO02568_b  بعنوان «السنة المحمدية وشباب محمد والإخوان: رؤية سعودية»، يسرد فيها المزيد من التفاصيل عن منفذ الهجوم.

يوضح السفير أنه بعد لقائه فؤاد نظير، توجه أحد مسؤولى السفارة إلى السفارة السعودية بالقاهرة، وذلك من أجل الوقوف على ما توصلت إليه حول حادث تفجير الأكاديمية وتفسير السعودية له فى سياق الوضع الداخلى فى مصر، وكذلك علاقة منفذى الهجوم بقوى خارجية مثل ليبيا.

وأشارت الوثيقة إلى ما صرح به مسؤول السفارة السعودية «الفقى» بخصوص جماعة السنة المحمدية، حيث أوضح أن جماعة السنة المحمدية تأسست خلال العقد الثالث من القرن العشرين، وكانت جماعة دينية فى الأصل وبعيدة كل البعد عن المجال السياسى، حيث اهتمت بها السعودية خلال العقد الخامس من القرن نفسه، لما وجدت من تقارب بين أهدافها وفكرها والفكر الوهابى، وأفاد «الفقى» أن تحقيقات النيابة كشفت عن تورط بعض أعضاء الجماعة فى حادث التفجير، ولكنه يعتقد بشكل شخصى أن هؤلاء المتورطين انشقوا عن جمعة أنصار السنة المحمدية، وكونوا جماعة أخرى خاصة بهم أطلقوا عليها اسم «شباب محمد». وعلقت السفارة الأمريكية على ذلك بأن السعودية تفتقر إلى المعلومات الكافية بشأن قضية يفترض أنها موضع اهتمامها.

وأوضح «الفقى» أن جماعة «شباب محمد» هى جماعة جديدة، وأنها هى التى قامت بتنفيذ الهجوم بقيادة زعيمها «صالح سرية» ومازالت حتى الآن تتابع أنشطة الجماعة التى وصل عدد أعضائها إلى 150 عضواً، ومقرها الرئيسى «طنطا»، مضيفاً أنه على الرغم من تشكك بعض المصريين فى تورط ليبيا والعراق بالحادث، إلا أنه يعتقد أن الاتحاد السوفيتى ليس بعيداً عن الاتهام، وأنه شجع العراقيين على تنفيذ الهجوم من أجل زعزعة الاستقرار فى مصر، وبالتالى زعزعة نظام السادات، واستبعد المسؤول السعودى تورط الإخوان المسلمين فى الحادث.

وفى اليوم نفسه، أرسل السفير الأمريكى برقية أخرى سرية للغاية إلى الخارجية الأمريكية وسفاراتها فى لبنان، والسعودية وبيروت تحمل الرقم 1974CAIRO02549_b عنوانها «خطة الأكاديمية ونشاط فدائى محتمل»، شرح فيها السفير ما دار بين أحد مسؤولى سفارته وأحد مسؤولى أجهزة الأمن المصرية، والتى حذر فيها الأخير من احتمالية قيام بعض الفرق «الفدائية» بعملية تستهدف بعض السفارات ومنها السفارة الأمريكية، كامتداد لتفجير الكلية الفنية العسكرية، وأن أجهزة الأمن قامت بتعزيز التواجد الأمنى عند محيط السفارات بمجرد ورود تلك المعلومات إليها.

وتحدث السفير الأمريكي فى رسالته عن الأسئلة التى وجهها مسؤول السفارة وكان أولها ما إذا كانت السفارة الأمريكية هى الهدف الأوحد للهجوم المحتمل أم أن هناك سفارات أخرى مهددة، وكان الرد أن الهجوم المحتمل يستهدف أيضاً السفارتين الأمريكية والسعودية وعدداً من السفارات الأوروبية، ولكن المسؤول المصرى رفض الإجابة على الأمريكى حين سأله ما إن كانت السفارتان الألمانية والإيطالية مستهدفتين أم أنهما خارج المخطط؟

وفى يوم 26 إبريل، أرسل السفير الأمريكى برقية سرية جديدة تحت الرقم 1974CAIRO02637_b بعنوان «الهجوم على الكلية العسكرية» إلى الخارجية الأمريكية وسفاراتها فى السعودية وليبيا ولبنان، يخبرها فيها بما نشرته الصحف من اعترافات منفذ الهجوم ومنظميه، بعدما رفعت الحكومة حظر النشر عن الحادث. حيث اعترف منفذ الهجوم «صالح سرية» بأن هدفه كان بلوغ الكلية والسيطرة عليها. بينما اعترف باقى أفراد التنظيم بأنه تم تجنيدهم من المساجد والجامعات والمدارس الثانوية، ومن هنا حدث الاتصال بين سرية وحسن الهضيبى، زعيم جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، وعدد من الإخوان المسلمين لبحث مسألة إقامة دولة إسلامية.

أهم أفكار صالح سرية

قام صالح سرية بكتابة وثيقة غير منشورة وإن كان تم تداولها بشكل مكثف داخل أوساط السلفيين بعنوان (رسالة الإيمان) قام فيها بتلخيص أهم الأفكار المتعلقة بالجوانب السياسية أهمها :

أن الجهاد هو الطريق لإقامة الدول الإسلامية

فيقول سرية في رسالة الإيمان (لا يجوز موالاة الكفار والأنظمة الكافرة ومن فعل ذلك فهو كافر. من مات دفاعاً عن حكومة كافرة ضد من قاموا لإقامة الدولة الإسلامية فهو كافر إلا إذا كان مكرهاً فإنه يبعث على نيته. من اشترك في حزب عقائدي غير إسلامي فهو كافر، كذلك من اشترك في جمعية عالمية كالماسونية أو اعتنق فلسفة مخالفة كالوجودية أو البرجماتية.

الحكم بتكفير الحكام وجاهلية المجتمع واعتباره دار حرب.

إقامة حزب إسلامي

أجاز سرية في رسالته العمل الحزبي الإسلامي والمساهمة من خلاله في الانتخابات ودخول البرلمان والمشاركة في الوزارات إذا كان صريحاً بأنه يسعى عن هذا الطريق للوصول إلى السلطة وتحويل الدولة إلى دولة إسلامية.

استخدام التقية واستغلال الوظيفة لخدمة التنظيم

كما أكد سرية في رسالته على جواز دخول عضو الجماعة في مختلف اختصاصات الدولة بأمر من الجماعة الإسلامية ويستغل منصبه لمساعدة الجماعة للحصول على السلطة أو التخفيف عنها في حالة المحنة أو إفادتها بأي طريق ولا مانع أن يصبح وزيراً حتى مع حكم طاغية إذا كان بهذه النية.

من هو الكافر من وجهة نظر صالح سرية؟

وصف صالح سرية في رسالته الكافر واضعا اشتراطات إذا قام بها الشخص يصبح كافرا وجب قتله ومنها:

في حالة وجود مرشح إسلامي وأمامه مرشح اشتراكي أو قومي أو شيوعي وانتخب الفرد غير الإسلامي فإنه يكون كافراً بهذا الموقف.

الذين يحاربون دعاة الإسلام لأنهم يمزجون الدين بالسياسة كفار لأنهم قصروا الإسلام على جانب وكفروا بالجوانب الأخرى.

المعارضون لأحكام الإسلام الذين يتهمون الدين بالتخلف والرجعية كفار، كذلك الذين يعترضون على حكم من أحكام الله ولا يرضون عنها مثل الذين يعترضون على الإسلام ويتهمونه بالتخلف فإن هؤلاء غير راضين عن الإسلام أصلاً.

التفريق بين الامتناع الجماعي والامتناع الفردي بمعنى أن الترك الجماعي لأي ركن من أركان الإسلام كفر.

كل القوانين المخالفة للإسلام في الدولة هي قوانين كفر وكل من أعدها أو ساهم في إعدادها أو جعلها تشريعات ملزمة فهو كافر كذلك من طبقها دون اعتراض عليها أو إنكار لها.

تحية العلم والجندي المجهول والسلام الجمهوري من طقوس الجاهلية وهي صورة من صور الشرك.

طلال الأنصاري الرجل الثاني في التنظيم يحكي البداية

يقول محرر طلال الأنصاري في كتاب صفحات من تاريخ الحركة الإسلامية عن بداية التنظيم ونشاته (صلة هذا التنظيم الشبابي بالإخوان المسلمين مرت بثلاث مراحل، كانت أولها 1971 حين قام الشيخ على إسماعيل بتسليم شباب الجماعة إلى أحد قيادات الإخوان البارزين في الإسكندرية وهو محمد إبراهيم سالم، وكانت هذه هي المرحلة الأولى لعلاقة تنظيم الشباب بالإخوان، تلتها المرحلة الثانية وهي مرحلة زينب الغزالي؛ حيث تحقق الاتصال المباشر بها، وذلك قبل الوصول إلى المرحلة الأخيرة وهي مرحلة المرشد حسن الهضيبي.

أما بخصوص المرحلة الأولى فقد بدأ محمد إبراهيم سالم لقاءات مع مجموعات التنظيم الجديد من الشباب.. ولقد كشفت هذه اللقاءات عن تناقض بين في رؤية كل منهما للآخر، فقد كان سالم يرى أن هذه المفاجأة التي أمامه من تنظيم متكامل جديد إنما هو نبت جديد ينبغي ترتيبه وإعادة صياغته من الصفر، على نظرية سالم التربوية، وفي صمت وبعيدًا عن قبضته، وعلى الجهة الأخرى انبهر به شباب النظيم الجديد لفترة لم تطل ثم ظهرت علامات الاستفهام والريبة فما حقيقة وضعهم مع سالم وجماعة الإخوان؟ فحينما أبلغوا الشيخ علي إسماعيل بهواجسهم شاركهم فيها وقرر الهروب بهم من أسر سالم لتبدأ المرحلة الثانية، ففي يناير 1972 اصطحب الشيخ على إسماعيل طلال الأنصاري إلى منزل زينب الغزالي وتوالت الزيارات بعد ذلك من الشباب لمنزل زينب الغزالي وتولى الأنصاري ترتيب هذه الزيارات ويقول الأنصاري عن هذه الزيارات “لا يمكن تصنيف لقاءات زينب الغزالي مع هؤلاء الشباب إلا في باب التحريض السياسي أو الجهادي وإلا فما معنى أن تحكي لشباب لما يتجاوز العشرين من عمره عن بشاعة التعذيب التي تعرضت له، وكان التحريض يبلغ ذروته عندما تصارحهم بأنها تتمنى أن تعيش لترى بعينها حركة إسلامية تبدأ التحرك والمواجهة، قبل أن تطالها يد الاعتقال والتعذيب كما حدث في 54، 65”

وقبل نهاية 72 كان الانبهار بزينب الغزالي قد انطفأ لدى هؤلاء الشباب وبدأ السؤال يلح عليهم وماذا بعد؟ إلى أن حدث اللقاء بالمرشد الثاني للجماعة لنبدأ المرحلة الثالثة مع حسن الهضيبي وفي اللقاء الأول قد قام طلال الأنصاري بمبايعة المرشد العام للجماعة، وبهذه البيعة أصبح الشباب أعضاء رسميين في جماعة الإخوان المسلمين، وبعدما أعلنت مجموعة الشباب هذا الخبر في مدينة الإسكندرية كان له أثر واضح في أمرين: أولهما إقبال الكثير من الشباب الجدد على الانضمام لتنظيم الشباب لكونه الممثل الشرعي والوحيد للإخوان، وثانيهما زادت الضغوط على المرشد من ناحية التيار المعتدل الذي كان يرفض أي تحرك ضد النظام

ثم يتحدث الكتاب عن العلاقة بين جماعة الشباب في الإسكندرية وصالح سرية في الفصل الثالث من الكتاب والذي عنونه “نحن وصالح سرية” وإن الذي أعد اللقاء الأول بين طلال الأنصاري وصالح سرية السيدة زينب الغزالي في منزلها، وإن طلال الأنصاري وجد إجابات لأسئلته ماذا بعد وما العمل؟ التي كانت تلح عليه وعلى مجموعته الشبابية لدى صالح سرية، فماذا قال صالح سرية في اللقاء الأول؟ يجيب طلال الأنصاري بأنه قال: (إن الإخوان حركة تحتاج إلى تغيير حقيقي في الأفكار، وأول ما يحتاجه الإخوان هو تحديد هدفهم، وإن الآخرين من أصحاب الفكر السياسي قد تجاوزوا الإخوان وحددوا أهدافهم، وإن الإخوان باعتبارهم حركة سياسية سواء كانت خلفيتها إسلامية أو لم تكن، فإنه ينبغي لهم أن يكون الوصول إلى السلطة هو هدفهم المحدد، وإنه يستحيل لأي فكر مهما كان أن يتحول إلى واقع وإلى نموذج أو إلى دولة من دون أن تكون السلطة هي السبيل لذلك، وإن الحركات من حولنا فهمت هذا وأدركته، وإن الجميع يتفق على أن طرق الوصول إلى سلطة محددة، فهي إما بالبرلمان وإما بثورة شعبية وإما عن طريق الجيش، وأن في دول العالم الثالث المحكوم بنظم عسكرية ديكتاتورية لا مجال للبرلمان والديمقراطية، كما لا مجال للثورات الشعبية نتيجة القهر الذي تتعرض له شعوب هذه البلدان، وبالتالي لا بديل عن حركة الجيش، وقرر صالح أنه يحتاج إلى عدد بسيط من الرجال سماهم (بالبدريين) على مستوى صحابه غزوة بدر، ولا يتعدى تعدادهم ثلاثمائة رجل.

وقد قامت زينب الغزالي في نهاية هذا اللقاء بتسليم قيادة الجماعة إلى صالح سرية، وإنها سلمته تنظيماً شبابياً قويًّا وقادراً وفاعلاً، ومع بداية 1973 أسفرت عدة لقاءات متتالية بين صالح سرية وقيادات تنظيمه الشبابي الجديد عن الاستقرار على تقسيم الجماعة إلى ثلاثة تشكيلات رئيسية الأول: تشكيل الإسكندرية الممثل في الجماعة الأم، ويترأسه الدكتور كامل عبد القادر وطلال الأنصاري، والثاني تشكيل القاهرة والجيزة ويترأسه حسن هلاوي، والثالث تشكيل العسكريين ويترأسه صالح سرية شخصيًّا، وقد انقسم داخله إلى قسمين: الأول عسكريو الجيش وهؤلاء كانوا تابعين له مباشرة، والثاني طلبة الكليات العسكرية ويترأسه كارم الأناضولي، وأيضًا شَكَّل صالح سرية مجلساً مصغراً للقيادة مكونا من الأسماء المذكورة، ووضع صالح سرية برنامج زمنيًّا ينتهي مداه بنهاية عام 1975 تكون فيه الجماعة جاهزة للتحرك العسكري ضد النظام وحدد صالح سرية هدفه بالانقلاب العسكري من خلال الجيش.

غلاف كتاب طلال الأنصاري
غلاف كتاب طلال الأنصاري

التنفيذ والفشل

يعرض لنا الفصل الرابع من الكتاب المعنون “التنفيذ والمحنة”؛ حيث يسرد لنا الخطوات التي تم بها تنفيذ عملية الفنية العسكرية، وكيفية القبض على مجموعة كبيرة من المنفذين، وكيف انتهت الأحداث بإعدام زعيمها صالح سرية والحكم على أعضائها بالسجن مدد متفاوتة واختصار آثارها في النقاط التالية:

  • ولدت حركة الجهاد من رحم هذه الجماعة ودليل ذلك كثير من تصريحات عبود الزمر قائد تنظيم الجهاد، ويؤكد فيها أن فكر صالح سرية وكتابه (الإيمان) هما العماد الأساسي لفكر الجهاد.

أما من الناحية التنظيمية فمن المؤكد أن تنظيم الجهاد الذي ظهر على السطح في حادث المنصة كان قائده محمد عبد السلام فرج مؤلف كتاب الفريضة الغائبة وأحد أطراف القضية الثالثة للفنية العسكرية، والتي حفظتها النيابة العامة 1979 واعتقل فيها عدد وأفلت آخرون، منهم محمد عبد السلام فرج، كما أن رفاعي سرور الذي تتلمذ عليه مباشرة عبود الزمر فهو من الجيل الأول لجماعة الفنية العسكرية، وأحد تلاميذ محمد بسيوني المقربين.

  • ولدت الحركة السلفية أيضًا من رحم هذه الجماعة، وقد شهد الشيخ محمد إسماعيل أولى خطواته في الدعوة داخل هذه الجماعة كما حضر معسكر الجماعة في العجمي عام 1971 حتى إن أول لقاء دعوي له بالناس كان بهذا المعسكر؛ حيث كلفته قيادة المعسكر بتلخيص وعرض باب من كتاب زاد المعاد لابن القيم، وكان هذا ضمن البرامج التدريبية العسكرية.
  • لم تظهر حركة الإخوان المسلمين بشكل علني إلا بعد عام 1975 أي بعد صدور الأحكام في هذه القضية، وكان العديد من قادتها البارزين من داخل هذه الحركة أو على هامشها، أو على الأقل متأثرين بها ومنهم (وجدي غنيم، محمد نجيب أبو حجازي، حامد الدفراوي وغيرهم)

يتضح مما قدمه طلال الأنصاري في هذه الشهادة أن من دفع هذه المجموعة من الشباب إلى انتهاج العنف، ووضع أقدامهم على طريق الإرهاب إنما هي جماعة الإخوان المسلمين، بداية من أفكار محمد قطب وسيد قطب، ومروراً بالقيادات التي مهدت لهم الطريق إلى الوصول لما وصلوا إليه من تطرف وإرهاب، ليس هم وحدهم بل أجيال متعاقبة من المتطرفين والإرهابيين، أنتجتهم لنا جماعة الإخوان، وأن التطرف والإرهاب ليس من إنتاج مجتمعات همجية أو فقيرة، إنما هو خارج من تأويلات شاذة ومتطرفة في بعض كتب الفقه الإسلامي وكتب التراث وكتابات من استلهموها وأنتجوا على مثيلها، أمثال (المودودي وسيد قطب ومحمد قطب، والندوي وغيرهم).

وفي نهاية هذا الجزء تبقى شخصة غامضة كانت تلعب دور الرجل الثالث في تنظيم جند محمد أو تنظيم الفنية العسكرية وهو الضابط هشام حلمي فمن هو وكيف وصل ضابط الشرطة هشام حلمي من كونه أحد حماة الوطن إلى أحد قادة تنظيم جهادي في 1972 ثم أحد أهم منظري وجلادي حركة داعش الإرهابية؟ هذه الأسئلة وأكثر سنجيب عنها في الجزء القادم.

شاهد أيضاً

الإخواني الهارب محمد محسوب

بوابة الوقائع تكشف أسباب رفض إيطاليا تسليم محمد محسوب إلى مصر.. ابحث عن المرأة

بوابة الوقائع وكالات علمت بوابة الوقائع أسباب إطلاق السلطات الإيطالية سراح القيادي الإخواني محمد محسوب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *