مقالات الوقائع | حسن سالم
يمر على المرء بعض المجريات يتمنى أن لا تنقضي، رغم إنها سنة الحياة وأكثر الأمور الموضوعية في الكون، فإن نشأت البداية لا مفر من أن لها نهاية، فكل الأمور فانية حتى وإن إبتدع أينشتاين أن الطاقة لا تفنى.
تأمل لو لمرة أن يدوم الحال لا أن يصبح محالاً، كذلك هي كرة القدم تلك اللعبة التي تخطت تأثير أعتى المواد ممنوعة التداول، بيد أنها قانونية ومباحة، سحرٌ أسر العديد من البشر وأنا أولهم، وإن وجد سحرٌ فلا بد من ساحر، والساحر ها هنا يرمي أحد منديليه وترتعد أن يرمي الآخر، ليونيل أندريس ميسي أعظم من لمس الكرة عبر تاريخها.
تتضمن أحد كُنيات ليو أنه “فضائي” وهو ما تضحده مسيرته مع “الالبيسليستي”، التي برهنت أنه مثل بني البشر قد يكون مثل من تقع عينه على هذه الكلمات أو حتى كاتبها.
إنسانٌ مثابر لأكثر من عقدين من الزمن لم يعدله إشهار البطاقة نصب أعينه في أولى لحظاته بقميص راقصي التانجو، فرفع هو رايته الحمراء في وجه الخصوم ولم يستسلم حتى بلغ الكمال الكروي.
مثال حي لكل من يبتغي أن يتعرف على معنى الثورة على النفس، والنهوض بعد السقوط، وبث الأمل في نفوس من حولك وأنت في أقسى درجات الإحباط، مداواة الجرحى بثوبٍ مضرجٍ بالدماء.
هكذا كان حال البرغوث الذي لم يواجه الخصوم فقط داخل الملاعب، بل وخارجه، كيف لشخصٍ أن يواجه أمة بأكملها، أمة عاصرت العديد من الأساطير، طاردته بإرثٍ ثقيل “دييجو أرماندو مارادونا”، الأسطورة التي تجاوزت مكانته المستطيل الأخضر كأحد أبطال الأرجنتينين التاريخيين.
لكنه أبى أن يعلق حذاءه دون أن يعطي هذه الأمة ما يستحقون، بعد إنهاكٍ إجتماعي وسياسي أعطاهم القشة التي يتعلقوا بها قبل السقوط في هاوية اليأس، هاتفين بإسمه متغنين به حتى إبتدعوا الأهازيج التي جمعته ببطلهم التاريخي.
وكأي إنسانٍ مهما على شأنه لا بد من أن يكون له عضد في حياتها، كتفٌ يستند عليه لكي يستطيع المقاومة، ولا يوجد في هذا العالم عضد أقوى من “الأب”، فإن رحل فمهما عايشت من بشر ومهما بلغت قوتهم لن يكونوا بمنزلة الأب، بل لن تتساوى أعلى درجات قوتهم بأقل درجات رفق أبيك.
فكاتب هذه الكلمات وعلَّ من قراءها يدركون ما حل بليونيل، فكسرة رحيل الأب هي إعلانٌ صريحٌ للغاية فمهما كان وسطك مزدحم فأنت وحيدٌ حتى تلفظ آخر أنفاسك.
وداعٌ حتمي لأعظم مسيرة دولية شهدها العالم خلال آخر عقدين، لكنه ممتزج بألم الرحيل والتشتت، الذي قد يجعل النهاية الكلية أقرب من أي وقتٍ مضى.
بوابة الوقائع لكل خبر حكاية