مقالات الوقائع : حمدي حسين يكتب: «مجلس السلام» أم مزاد غزة؟
حين يتحول السلام إلى فاتورة… وتصبح دماء الفلسطينيين مدخلًا للصفقات !!!
لم يكن ما تسرّب عن مطالبة دول بدفع مليار دولار مقابل عضوية دائمة في ما يُسمّى «مجلس السلام» مجرد خبر عابر، ولا حتى مجرد «مسودة ميثاق» قابلة للأخذ والرد. فالتجربة مع دونالد ترامب تقول بوضوح إن ما يُطرح اليوم كاقتراح أو تسريب، قد يصبح غدًا شرطًا سياسيًا مكتمل الأركان.
صحيح أن البيت الأبيض سارع إلى نفي وجود رسوم إلزامية، لكن الأهم من النفي هو المنطق الذي تقف عليه الفكرة ذاتها: منطق تسعير السياسة، وخصخصة السلام، وتحويل القضايا العادلة – وعلى رأسها قضية فلسطين – إلى فرص استثمارية.
ترامب ليس رئيسًا تقليديًا في علاقته بالعالم. سجله السياسي حافل بابتزاز الحلفاء قبل الخصوم (حماية مقابل المال ، وجود عسكري مقابل الفاتورة،
دعم سياسي مقابل عقود واستثمارات ).
قالها صراحة خلال ولايته الأولى: “الولايات المتحدة لن تحمي أحدًا مجانًا”.
وفي هذا السياق، فإن فكرة «مليار دولار للبقاء في مجلس السلام» لا تبدو شاذة، بل امتدادًا طبيعيًا لعقلية ترامب التي ترى في النفوذ الأميركي سلعة، وفي الأزمات بوابة أرباح.
أيها الترامب : غزة لن تكون تورتة سياسية .
الخطير أن هذا «المجلس» يرتبط مباشرة بمستقبل غزة، بإعادة الإعمار، بالإدارة، وبالمال. وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحًا وأقل دبلوماسية:
أي دولة ستوافق على دفع مليار دولار – أو أي مبلغ – لن تفعل ذلك حبًا في شعب فلسطين، بل لأنها تتوقع أن تسترد ما دفعته مضاعفًا من خيرات غزة، ومشاريعها، وموانئها، وسواحلها، ودمارها المعاد تدويره كفرص استثمار.
لن يدفع أحد هذا الرقم من أجل «السلام» المجرد، بل من أجل موقع متقدم في ترتيبات ما بعد الحرب
(نفوذ سياسي في إدارة القطاع ،
نصيب من عقود الإعمار ) أو دور في إعادة تشكيل غزة بما يخدم مصالحه ومصالح الرعاة الكبار .
من يدفع… يشارك في الجريمة السياسية
في هذه المعادلة، يصبح الدفع إقرارًا ضمنيًا بأن غزة ليست أرض شعب محاصر ومقاوم، بل غنيمة مفتوحة، وأن دماء الفلسطينيين يمكن أن تتحول إلى بند تفاوضي في دفاتر الساسة ورجال الأعمال.
ونذكر ترامب وغيره أن مصر تُعد شريكًا وضامنًا رئيسيًا في عملية استعادة الاستقرار في قطاع غزة، انطلاقًا من دورها التاريخي ومسؤولياتها الإقليمية .
وكما أشار وزير خارجية مصر مؤخرا بدر عبد العاطي إلى أن آليات الضمان لا تقتصر على التعهدات السياسية، بل تشمل متابعة التنفيذ على الأرض من خلال التنسيق المستمر مع مختلف الأطراف، ودعم بدء عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، إلى جانب الدفع نحو نشر قوة دولية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، بما يضمن عدم العودة إلى دائرة العنف.
ومن هنا، فإن أي دولة تقبل بمنطق ترامب ولا تشارك بمنطق مصر ، لا تشارك في صنع السلام بل تشارك في شرعنة نهب سياسي–اقتصادي
وتغطي على جوهر الصراع الحقيقي: (الاحتلال، والعدوان ، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه) ..
حتى الآن، لا يوجد ما يؤكد التزام دول بدفع أي رسوم. لكن المسألة أعمق من مجرد رقم. إنها اختبار سياسي وأخلاقي: هل يُتعامل ترامب مع غزة كقضية تحرر وحق تاريخي؟
أم كمنطقة منكوبة يمكن إعادة تشكيلها وفق ميزان الشيكات والنفوذ؟
قد تكون وثيقة «المليار دولار» مسودة، لكن العقلية التي أنتجتها ليست مسودة.
إنها عقلية ترامب التي ترى في العالم سوقًا، وفي الحروب فرصًا، وفي السلام استثمارًا.
وفي هذا السياق، يصبح واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا التحذير بوضوح: السلام الذي يُشترى بالمال، يُدفع ثمنه دائمًا من دم الشعوب، لا من جيوب الساسة.
وغزة ليست للبيع… إلا في حسابات من قرروا أن يدفعوا ليجلسوا إلى مائدة اقتسامها.
حمدي حسين
عضو اللجنة المصرية للسلام
بوابة الوقائع لكل خبر حكاية