الرئيسية / الاستوديو الثقافي / الألقاب…ثورة تلغيها وشعب يعيدوها بعشوائية
مجلس قيادة الثورة يقرر إلغاء الألقاب المدنية

الألقاب…ثورة تلغيها وشعب يعيدوها بعشوائية

منار الأزهري

في مثل هذه الأيام من عام 1952 أصدر مجلس قيادة الثورة في مصر قرارًا بإلغاء جميع الألقاب الرسمية المدنية والاكتفاء بلقب واحد في كافة المكاتبات الرسمية هو لقب (حضرة المحترم). 

وكانت الألقاب قد دخلت مصر، بعد نجاح محمد علي باشا في ضمان استقلال مصر عن الدولة العثمانية منذ مطلع القرن التاسع عشر.

وحصول خلفائه على حق منح كبار رجال الدولة الألقاب التي كان ينعم بها السلطان العثماني على خلصائه.

وكانت أهم الألقاب في مصر هي أفندي ويحصل عليه من يصل في التعليم إلى الشهادة الثانوية أو يكمل تعليمه الجامعي.

و”بك” ويحصل عليه كبار أفراد الطبقة الوسطى من كبار الموظفين في الدولة.

أما أفراد النخبة الاجتماعية والسياسية فكانوا يحصلون على لقب باشا.

وإلى جانب هذه الألقاب الثلاثة الرئيسية، كانت هناك مجموعة من الألقاب التي يحصل عليها كبار السياسيين،

مثل صاحب الدولة وصاحب المعالي وصاحب السعادة وصاحبة العصمة وصاحب المقام الرفيع.

وكان كل لقب من هذه الألقاب يرتب لصاحبه نفوذا وسلطة داخل أجهزة الدولة المختلفة،

إلى جانب ما يتمتع به من نفوذ وسلطة لثرائه أو لموقعه السياسي. 

وفي عهد الملك فاروق في نهاية العهد الملكي بمصر، انتشرت ظاهرة شراءالألقاب بالمال،

من خلال الرشاوى التي يقدمها الأثرياء الجدد إلى الملك مقابل الإنعام عليه بهذا اللقب أو ذاك.

أقرأ أيضا

«٦٧» ذكري ثورة… وتاريخ نكسة

وعندما جاءت ثورة 23 يوليو 1952 ألغت الرتب والألقاب، في عهد وزارة علي ماهر باشا الذي عينته الثورة رئيساً للوزراء في أول أيام قيامها.

وفي ثاني اجتماع لوزارة علي ماهر، تقرر إلغاء جميع الألقاب بناء على مبادئ الثورة وكان ذلك في أول أغسطس سنة 1952م.

وجاءت خطوة إلغاءالألقاب المدنية مع الاحتفاظ بالألقاب العسكرية ،

باعتبارها جزءًا من بناءأي مؤسسة عسكرية ولا تعكس أي تفاوت طبقي بين أبناء المجتمع.

والافت أن مجلس الوزراء الذي ألغى الرتب والألقاب كان غالبية أعضائه من حملة الرتب والألقاب التي تم إلغاؤها في جلسة مسائية.

ولم تكن الألقاب المدنية هي الوحيدة التي لم تعجب ثوار يوليو فقرروا إلغاءها، بل تدخلوا أيضاً في الرتب والألقاب الخاصة بضباط الجيش والشرطة

وهي رتب اليوزباشي والصاغ والقائمقام والبكباشي والأميرالاي، وجعلوها في أسماء أخرى فأصبحت (ملازم أول ونقيب ورائد ومقدم وعقيد وعميد).

وبعد إلغاء الألقاب، وطوال فترة الستينيات، أصبحت كلمة “سيادتك” على لسان كل المواطنين في مصر

ابتداء من السيد رئيس الجمهورية إلى أي مواطن عادي.

 

أقرأ أيضا

بذكري ٢٣يوليو…هل يسير السيسي علي خطى ناصر؟

ومن عام 1953،  ألغت الثورة الألقاب وأطاحت بالملكية وأزالت الفروق بين الطبقات وحتى العام 1975، لم يكن يسمع في الشارع المصري أيّ من هذه الألقاب،

وكان ثمة حرص على أن يقال للرجل (يا سيد فلان) وللسيدة (مدام فلانة) وللفتاة (آنسة فلانة أو مدموزيل)،

ولعل المتابع لأشرطة السينما في عصر (الأبيض والأسود)، يلحظ اختفاء الألقاب واستبدالها بكلمة “سيد” أو بأستاذ في بعض الأحوال .

ويذكر أنه في سنة 1924 حدثت أزمة سياسية بين الملك فؤاد (1917 ـ 1936) وبين سعد زغلول بسبب منح الألقاب .

حين تولى سعد الوزارة 1924 وعلم أن الملك فؤاد يعد كشفا بالألقاب التي ستمنح بمناسبة العيد،

فأصر سعد زغلول على أن هذا العمل طبقا لدستور 1923م من اختصاص مجلس الوزراء،

وأن دور صاحب الجلالة هو إصدار المراسيم فقط وكان له ما أراد.

وقد شهدت فترة الانفتاح بعد 1975 عودة الألقاب مرة أخرى ولكن بطريقة عشوائية غير رسمية، بخاصة لقبي الباشوية والبكوية.

وأصبحت الألقاب، التي كانت تمنح لمن يؤدي خدمات كبيرة للبلاد أو للملك، شائعة بلا صاحب .

حتى أطلقت في هذه الفترة على فئة من أصحاب الأموال والأغنياء الجدد الذين أفادوا من مرحلة الانفتاح وكونوا ثروات كبيرة.

وأصبح كل واحد منهم “لقب نفسه” و”الباشا” لزوم كمال الوجاهة والمظهر الاجتماعي،

خاصة أن معظمهم كان ينتمي لطبقات شعبية بسيطة لم تعرف لها الألقاب طريقا أبدا.

واستمرت فوضى الألقاب حتى أطلق على السباكين والسائقين لقب “الباشمهندس”

وغالباً ما كانت السين فيها تقلب إلى “الزاي” فتصبح “الباشمهندز” وعلى الحلاقين لقب (الدكتور)!.

وفي بداية التسعينيات ظهر لقب جديد استحوذ على اهتمام الكثيرين وهو لقب “رجل الأعمال”

الذي يعطي لصاحبه مكانة متميزة في أي مكان يوجد فيه،

بخاصة أنه ارتبط بعملية الخصخصة وبيع شركات القطاع العام ونشأة المدن الصناعية الجديدة.

ولم يكن غريبا أن يزيد عدد الأشخاص الذين يلقبون أنفسهم برجال الأعمال، فرأينا البقال وصاحب محل الأدوات الصحية وتاجر الخردوات،

بل بعض النصابين ومحترفي التهريب من الجمارك ، كل واحد منهم يسمي نفسه رجل الأعمال الذي أصبح وظيفة من ليس له عمل

كما نجد في أي نعي لوالدة وزير أو شقيقته أو أي من قريبات أي وزير أو أقربائه يلحق ،

أو يسبق اسم الوزير كلمة (معالي) حتى صارت من العلامات العادية في عيون القراء المصريين

وفي المخاطبات الرسمية من المذكرات والتظلمات والالتماسات وغيرها من الأوراق(الرسمية) ،

من اليسير أن تقع عيناك على اصطلاح معالي الوزير الفلاني، مع أنه لقب محظور بحكم القانون والدستور منذ إلغاء الثورة للألقاب.

أما في الشارع المصري، فصار استخدام لقب “باشا” أمرًا عاديًا لا تستهجنه الأذن، وهنا يجب ان نفرق بين استعمالين للألقاب المهجورة المحظورة،

استعمال رسمي في النعي وفي المكاتبات الرسمية للوزراء والمسؤولين في جهاز الدولة، واستعمال شعبي يومي بين بسطاء الناس.

فهذا الباشا ربما يكون من الحرفيين أو صاحب مقهى أو قصابا أو واحدا من بسطاء الناس وفقرائهم.

لكن صاحبه يمنحه هذا اللقب الذي كانت له قواعد صارمة للغاية في الماضي وثمن كبير يدفع لقاء الحصول عليه بمرسوم ملكي.

الأمر نفسه ينطبق على لقب “الهانم” الذي لا ينافسه نسائياً لقب آخر.

فالرجال ربما يقال لهم (يا بيه) إشارة إلى لقب “البك” الذي هو أدنى في السلم الطبقي من الباشا.

لكن “الهانم” لقب مفرد لا يوجد غيره لتعظيم النساء من بنات البيوتات

وان كان يطلق الآن في الشارع على معظم السيدات مثلما يقال للبسطاء(يا باشا).

إذن، فالوزراء ليسوا هم وحدهم الذين يحظون بالألقاب الاجتماعية الكبيرة البائدة، وليسوا وحدهم الذين يقال لهم (معالي الوزير)،

المعالي يحصل عليها البسطاء مثلما يحصل عليها الكبار، والكل يحصل عليها مجاناً.

لكن ثمة فارق مهم، فأصحاب المعالي من المسؤولين تقترن معاليهم بالسلطة والنفوذ والشهرة.

بينما أصحاب المعالي من باشوات البسطاء لا يحظون الا باللقب..

والجميع يشترك في تحطيم القاعدة والحقيقة التاريخية وهي أن الألقاب ألغيت.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: