الرئيسية / آراء حرة / كيف عالج الأدب العبري انتصار المصريين فى العاشر من رمضان؟
حرب أكتوبر في الأدب العبري
حرب أكتوبر في الأدب العبري

كيف عالج الأدب العبري انتصار المصريين فى العاشر من رمضان؟

عصام الحوت

 «سيناء، السادس من أكتوبر، الساعة ال11 ظهرا، إلى ابى ، وأمى، ونيريت الأعزاء.. (عيران) الذى سيلقى مصرعه بعد ثلاث ساعات فى الحرب التى ستندلع على ضفة القناة، سيموت فى نفس المكان الذى جلس يكتب فيه الخطاب، – يطلب فيه من أبويه أن يشتريا وترا للجيتار الخاص به، لم يكن يعلم أن شبح الموت يزحف نحوه، ويوشك أن ينقض عليه». مقطع من رواية عبرية.

كان الأدب ومازال مرآة للمجتمع ومعبرا عن أفراحه وأحزانه وانتصاراته وانكساراته، وربما ظهر هذا جليا فى الأدب المصرى خاصة فى فترة ما بعد النكسة، حيث أبدع الشعراء والأدباء المصريون وساهمت كتاباتهم فى رفع الروح المعنوية للشعب المصرى،

وجميعنا نتذكر أغانى حليم بكلمات الأبنودى مثل «عدى النهار» و«ابنك يقولك يا بطل».

كذلك عبدالرحمن الشرقاوى ويوسف إدريس وسعد الدين وهبة، وغيرهم ممن ساهموا فى طرح الواقع المصري فى فترة ما بعد النكسة ومحاكمته وبث الأمل فى المستقبل.

وعلى نفس النمط كان انتصار أكتوبر، ولكن كيف نظر الأدب العبري لهذه الحرب وكيف عالجها سواء على المستوى الشعرى أو الروائى والقصصى؟

 كيف تناول الأدب العبري حرب أكتوبر؟

عبر الأدب العبرى عن الزمن الرمزى الذى وقعت فيه الحرب، وعن هدم كل ما كرسته حرب 67.

إن حرب أكتوبر، كانت نقطة تحول درامية مباغتة، ومذهلة، وكأنها مأخوذة من حبكة مميزة.

فقد كانت حرب أكتوبر بحسب رؤية الكثير من الأدباء الإسرائيليين زلزالا حقيقيا هز أركان المجتمع الإسرائيلى، لكنه كان زلزالا متوقعا.

فتقول «عنات فاينبرغ» الأديبة الإسرائيلية: «كم من الوقت يستطيع إنسان، أو شعب أن يجلس ليتثاءب ويسخر من عدوه، ويستهزئ به، كم من الوقت كان من الممكن أن يعيش المجتمع الإسرائيلى بموجب مبدأ أنا ومن بعدى الطوفان.

لقد كانت حرب أكتوبر ردا حادا وقاسيا على الشعور بالتفوق واحتقار الآخر، الذى ملأ صدورنا بعد حرب 67 الانتصار المبهر فى 67، الذى بدا وكأنه سيناريو سينمائى مأخوذ من أفضل أفلام هوليوود، لم يكن سيناريو صادقا، ولا أمينا، لقد أعمى عيوننا، ونفخ صدورنا، وعطل حواسنا، فلم نفق من سكرة الانتصار التى سيطرت علينا بعد هذه الحرب العجيبة، التى استمرت ستة أيام، وأسفرت عن تغيير دراماتيكى فى الخريطة الجيوبوليتية للمنطقة، وفى العقلية الإسرائيلية فى ذات الوقت».

أما الأديب الإسرائيلى «حانوخ بارطوف» المعروف بمهارته الفائقة فى نسج الحبكات الأدبية المركبة، والبوليسية أحيانا والذى كتب يوميات عن الحرب.

كما كتب الجزء الثاني من كتاب رئيس الأركان الإسرائيلى فى حرب أكتوبر «دافيد بن أليعيزر»، والتي نشرت باسم (48 سنة، وعشرون يوما أخرى).

حيث تناول في هذا الجزء قصة العشرين يوما التى شهدت حرب أكتوبر  وحتى 25-10-73.

لقد سجل فى هذا الدفتر كل دقيقة، وكل حديث، وكل لفتة، وكل شهادة للتاريخ.

لكن هذا الشكل الوثائقى التفصيلى نفسه، وبقلم أديب، يعكس إلى أى مدى كانت قصة حرب أكتوبر قصة صارخة، وأقوى من خيال المبدع والأديب، الذى وقف أمامها مكتوف الأيدى، ولم يملك سوى أن يسجلها بقلمه فى شكل يوميات حربية.

وكتب الأديب الإسرائيلى الشهير «يوفال نريا» رواية بعنوان (نار) وهى رواية وثائقية أيضا،

وقد فضل «نريا» أن يكتب على غلافها الخارجى: «كثير من الأحداث التى وردت بين ضفتى هذا الكتاب حدثت فى الواقع كما هى، لكن جميع الشخصيات من وحى خيال المؤلف».

بعبارة أخرى حتى «يوفال نريا» لم يكن فى حاجة لنسج أحداث عن حرب أكتوبر من خياله.

وتبدأ رواية «نار» بعملية السرد والوصف فى الأيام الأربع السابقة على الحرب، ويورد نص خطاب أرسله جندى اسمه «عيران» لأسرته فى صباح السادس من أكتوبر جاء فيه:

«سيناء، السادس من أكتوبر، الساعة الـ11 ظهرا، إلى أبى ، وأمى، ونيريت الأعزاء.

– عيران الذى سيلقى مصرعه بعد ثلاث ساعات فى الحرب التى ستندلع على ضفة القناة، سيموت فى نفس المكان الذى جلس يكتب فيه الخطاب، – يطلب فيه من أبويه أن يشتريا وترا للجيتار الخاص به، لم يكن يعلم أن شبح الموت يزحف نحوه، ويوشك أن ينقض عليه» .

ورواية «نار» تعتبر شهادة تبعث بقشعريرة فى الجسد خاصة فى الأجزاء التى تصور فيها غطرسة القيادات العليا فى الجيش الإسرائيلى، وشعور صغار الضباط الأكيد بحجم الكارثة التى توشك أن تحل بهم.

وكيف رفضوا أن يطلبوا إجازات عيد الغفران على الرغم من التقرير الواضح الذى نشرته المخابرات الحربية أمان وجاء فيه: «لن تقع حرب فى يوم الغفران».

وعندما تصور الرواية المعركة التى خاضها هؤلاء الضباط بمفردهم ضد الجيش المصرى فى الأيام الأولى للحرب، وعن عودتهم إلى الجبهة الداخلية، ليجدوا الجميع يتنكر لهم، ويرفض مجالسة المهزومين.

بطل الرواية «يائير نائب» قائد الوحدة العسكرية، أخذ يلوم نفسه وهو طريح الفراش فى المستشفى العسكرى: «لقد كنت أعرف أن الحرب ستقوم، كنت واثقا، وعامير أيضا كان واثقا، لكنى لم أمتلك الشجاعة، لأذهب إلى قادتى ورؤسائى، إلى رئيس الأركان إذا استلزم الأمر، وأن أكلمهم جميعا، إذا استلزم الأمر، وأقول لهم أنتم عميان، وطرشان، الحرب تدق الأبواب، لكنى لم أذهب، ولم أصرخ بأعلى صوتى، ولم أنبس ببنت شفة، ومع ذلك مازلت على قيد الحياة، سأظل أحمل الذنب مثل قابيل، ولن يسعفنى أى شيء فى هذا العالم».

لقد كان الشعور بالذنب هو أقوى المشاعر التى سيطرت على الجنود والضباط الذين نجوا من هذه الحرب على حد سواء.

لقد ظلوا على قيد الحياة، بينما لقى العشرات، بل المئات من زملائهم مصرعهم دفاعا عنهم. وظلت علامة العار مطبوعة على جبينهم، وفى وعيهم الذاتى، وفى نظرة المجتمع إليهم، وخاصة أقارب المتوفين والمفقودين.

الأديب الإسرائيلى «إسحاق بن نير» كتب قصة قصيرة عنوانها «نيكول»

عن هذا الشعور بالذنب الذى سيطر على الجنود الناجين من حرب أكتوبر مثل شبح الموت،

«باركو» بطل القصة لم يكن مثل يائير، وعامير وعيران أبطال رواية نار الذين تصادف وجودهم على الضفة الغربية من القناة عندما اندلعت حرب أكتوبر، ووقعا فى الفخ.

فـ «باركو» كان قائد لواء فى سلاح المدرعات، في وقت الحرب كان فى أحضان عشيقته نيكول فى فندق ببئر سبع، يوم السبت السادس من أكتوبر.

ونجد تشابها كبيرا بين معاجة الأدب المصري لنكسة 67، ومعالجة وتناول الأدب العبري لهزيمة «كيبور»

ففي الحالتين كانت أصابع الاتهام تشير لانعدام الشعور بالمسئولية فى صفوف القيادات العليا والغرور الذى سيطر على تصرفاتهم، وسلوكهم، والذى نبع فى الأساس من ثقة بالنفس مبالغ فيها.

الأديب الإسرائيلى «يهوشواع» شدد كذلك فى رواية «السيد مانى» على أن المقاتل الإسرائيلى «رونى» الذى لقى مصرعه فى اليوم السادس لحرب 67 متوقعا أن الانتصار المفاجئ فى 67 سيجر هزيمة مباغتة فى 73.

لقد كان الأدب الإسرائيلى من أهم المرايا التى عكست انتصار حرب أكتوبر، والزلزال النفسى والاجتماعى الذى ضرب الوعى الجمعى الإسرائيلى.

 ففى رواية «التعرف على امرأة»، للروائى الإسرائيلى «عاموس عوز»  يرد ذكر حرب أكتوبر بشكل غير مباشر، حيث «يوئيل رافيد»، بطل الرواية البالغ من العمر 80 عاما، جاسوس متقاعد، يقرأ مذكرات رئيس الأركان السابق دافيد بن أليعيزر، ويصل للنقطة التى يمتدح فيها رئيسه وضابط تشغيله فى الاستخبارات:

«لأنه كان من القلائل الذين حذروا من خطر اندلاع الحرب قبل وقوعه»

هنا يصر الأدباء الإسرائيليون على أن الحرب كانت متوقعة، لكن القيادات العسكرية، والسياسية لم تكن تريد أن تعرف ذلك

 الباحثة والأخصائية فى التحليل النفسى «عدنا لومسكي» (فى بحث منشور فى العدد الحادى عشر من مجلة النظرية والنقد عام1977، والتى تصدر عن معهد فان لير بالقدس) تقول:

«إن طبيعة الحرب على المستوى الإسرائيلى تعنى إذن وجوب أن تعود الحياة بعد الحرب إلى مسارها المعتاد ، وتقاس قدرة المجتمع الإسرائيلى على الصمود والاستمرارية بناء على قدرته على الاستمرار فى الحياة كالمعتاد بعد نهاية الحرب، ولدى هذا المجتمع آليات ثقافية واجتماعية تهدف إلى الحد من تأثير الحرب، ومنعها من إعادة تشكيل توجهات المجتمع… تقوم هذه الآليات بتوجيه الجدل المطروح حول الحرب، والنقد الموجه إلى نتائجها، فى اتجاه يسمح للفرد بالتجرد من مشاعر الذنب، والاستمرار فى حياته الشخصية كالمعتاد، وبشكل يكفل إحكام الرقابة على الأصوات الأخرى ووجهات النظر المخالفة، فى الجدل الدائر حول الحرب».

وربما كان أبرز ما نشر، فى أثناء الحرب، قصيدة أرسل بها أحد الجنود الإسرائيليين، من موقع فى منطقة عيون موسي، إلى مجلة باماحانيه الناطقة بلسان الجيش الإسرائيلي، ونشرت بتاريخ 82/11/1973.

جاءت هذه القصيدة كتعليق ساخر على أغنية إسرائيلية، تقول كلماتها: «أعدك يا طفلتى الصغيرة أن هذه ستكون الحرب الأخيرة».

ويسخر الجندى من هذه المقولة، ليؤكد أن النظام السياسي والآلية العسكرية مدعمة بمجموعة من الحاخامات والتيارات الدينية، لن يجعلها الحرب الأخيرة، ولن يجعل هذا الجندى هو القتيل الأخير، لتستمر الآلة العسكرية، ويستمر الأدب معبرا عن ألم الحرب ومعاناة الشعوب.

«أعدك يا طفلتى الصغيرة أن هذه ستكون الحرب الأخيرة”.

ولكنها لم تكن، فقد ظلت آلة الحرب الصهيونية تدور حتى الآن».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: