الرئيسية / الاستوديو الثقافي / سيد بغداد .. من يحوز سيادة المدينة؟
رواية سيد بغداد
رواية سيد بغداد

سيد بغداد .. من يحوز سيادة المدينة؟

قراءة نقدية- محمود عبدالله تهامي

تطرح رواية « سيد بغداد » للكاتب اللبناني محمد طعان، رؤية أكثر واقعية لحياة العراقيين، إبان حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ثم الغزو الأمريكي للبلاد بحجة تدمير أسلحة دمار محظورة.

ولأن الأخبار والتقارير التي صَدَّرت للعالم العربي صورة الوضع العراقي تحت حكم صدام، فإن البعض قد رسخ لصورة مزيفة بقدر ما لحقيقة الأوضاع آنذاك، ولا يمكننا أن نجذم بأن الرواية هي التي تقدم الصورة الحقيقة.

لكنها؛ على أي حال؛ تطرح رؤية مثيرة للتأمل والنقاش حولها، فالمؤلف يحاول وضع المتلقي في صورة المُبصر للأمور من عواملها الداخلية، وليس من صورها الخارجية التي اكتست بأفكار مؤدلجة نوعًا ما.

وخلال السطور التالية نستطيع تقديم قراءة لأحداث الرواية في محاولة للكشف عن التفاصيل الخفية التي تكمن خلف عمل أدبي مثل هذا.

وأيضا الرؤى والأفكار التي دفعت المؤلف لخوض مغامرة الكتابة، هذه التفاصيل التي تسكن في منطقة خاصة جدا في وعي أو لا وعي المؤلف تبرز بشكل صادق بعض الأمور المهمة.

إن رواية محمد طعان التي حملت عنوان « سيد بغداد » ضمت من بين شخصياتها عالم دين، يحمل لقب «السيد»، فهل كان عنوان الرواية يقصد هذه الشخصية؟.

في ظني أن هذا الأمر يحتاج إلى مراجعة الشخصيات التي تم وصفها بهذه الصفة، وهي ليست كثيرة، فأولها عالم الدين، أحد أبطال الرواية، الذي قدم من خلاله المؤلف صورة رجل الدين المسلم الشيعي التقليدي.

الذي يتميز بصوت مؤثر، وقدرة عجيبة على تحريك المشاعر الدينية، واستمطار الدموع من عيون المؤمنين؛ إثر سماع نكبات آل البيت، وقد مر ذلك الرجل بكثير من المصائب، عصفت به على مراحل متباعدة، فزوجته ماتت في حريق، وابنه قتل، ومسقط رأسه تعرضت لظلم حيث تجفيف الأرض وتحويل مسار المياه بعيدا عنها، وكانت قصته محور أحداث الرواية وعمودها.

بينما كان هناك سيد آخر للمدينة، يصارع الكل، ويخلق العدوات، ويتعاظم في جبروته واستبداده، كان هذا هو الرئيس صدام حسين.

فالمؤلف يسرد بعض وقائعه فيقول :”في العام 1979 عزل صدام الرئيس وأصبح مذاك سيد بغداد المطلق”. فالكاتب هنا يطلق لقب “سيد بغداد” على الرئيس صدام، وليس هذا من باب التشريف، وإنما من باب اعتبار السيادة نوعًا من السلطوية والاستبداد.

أما اجتياح الأمريكيين العراق بحثا عن أسلحة نووية محظورة، وتخليص البلاد من حكم صدام، ساعتها سقطت بغداد، وسقط النظام، ووقعت السلطة في يد أمريكا، ليصبح الأمريكيون بحسب وصف المؤلف هم السادة الجدد للبلاد.

ويجدر بنا أن نتساءل عن معنى السيادة، فربما يكون معنى التعميم والشمول المكتسب من الكلمة يفيد دلالة جديدة، ويشير بوضوح ناحية المقصود من سيادة المدينة.

فإن أعمال القمع والقتل والتشريد التي مارسها النظام، وأيضا عمليات التحارب الطائفي العرقي والديني، أدت لسيادة حالة من الخوف والقلق وأيضا حالة من القهر، وغياب قيم العدالة والحب والحرية، إذن: هل يسود الظلم والحقد مدينة بغداد؟

أعتقد أن ما تم عرضه سابقًا يمكن أن يحوز وصف سيادة بغداد، ومن ثم تنسحب سيادته على كل العراق، لكن السيد الحقيقي الذي ظل محركًا أساسيا للأحداث.

وظل كامنًا في خلفية المعطيات الدرامية لوقائع الرواية، هو الإمام الحسين بن علي؛ لأنه هو الإمام الصالح الذي يمنح للآخرين لقب السيادة بالأساس، هذا في حالة المحبين.

أما في حالة الطغاة والغزاة فهم يحاولون استلاب السيادة منه، لكنهم يفشلون دائما.

ربما يعزز ذلك التفسير بناء الرواية، حيث بدأت الأحداث من العثور على مقبرة جماعية، وساعتئذ يتعرف السيد إلى ابنه القتيل، ثم يتكشف الحدث تدريجيًا عن شاب مناضل تشبع بأفكار الشيوعية والماركسية.

وقام يناضل ضد السلطة المستبدة، لقد اتجه الابن ناحية هذه المذاهب السياسية، التي تنهج التمرد والثورة، بعدما اكتسب معاني حقيقة خروج الحسين، واستمراره في الحرب حتى اللحظات الأخيرة.

فكان الحسين مثاله في الثورة، وكانت الشيوعية هي التي تترجم نضاله، وينجح النظام في تصفيته، حتى نكتشف في السطور الأخيرة كيف نذرت الأم نذرها، أن يشب طفلها ويحتذي بسيرة الحسين ويموت بأرض كربلاء، التي شهدت من قبل فجيعة مقتل الحسين، ثم يحدث ذلك، فهكذا نرى أن السيد الحقيقي الذي ملك زمام قلوب المؤمنين كان هو الحسين بن علي، وبه بدأ الحدث يتخلق ويتكون، وبه انتهى.

ناقشت الرواية فترة من أهم الفترات التاريخية التي مرت بها العراق، فكشفت عن الوجه الاستبدادي لنظام الرئيس صدام، ومعاناة الأقليات العرقية والدينية، إلى جانب الاحتراب الطائفي، ويدرك من خلالها المتلقي مدى قسوة النظام في معاقبة المعارضة، فهو يبني السدود التي حولت الماء عن الأهوار، وهي أرض ثرية وخصبة وتتسم بطبيعة خاصة للمستنقعات، ويذهب أيضا لمنع الشيعة من ممارسة شعائرهم الدينية مما يضطرهم ذلك إلى التخفي، وصلت الأمور لدرجة أن الرجل الذي يستقل تاكسي الأجرة يخشى أن يتفوه بكلمات تحمل معارضة أو انتقاد، فلا يجد إلا السائق يأخذه ويسلمه للسلطات، ويتطور التعذيب في السجون ليشمل قطع ألسنة الشيوعيين للاحتراس من نشر أفكارهم.

إن الوضع المتأزم أيام النظام خلق بدوره أزمات بين المجتمعات المحلية، فثمة أقلية تركمانية وآخرون مسيحيون أشوريون وكلدان ومسلمون شيعة اضطروا للنزوح والعثور على ملاذ آخر بعيدا عن كركوك، وعندما نجح الغزو الأمريكي في إسقاط النظام تغير بدروه التوزيع الجغرافي للسكان، فهي -وفق رؤية المؤلف- كانت بمثابة “خضات كبرى”، والمتلقي يجد “آمنة” تتلقى تحذيرات من دخول منطقة “حمشة” لكونها ليست كردية، وترصد الرواية هجوم الفقراء والنازحين باتجاه بيوت رموز النظام، ومعسكرات الجيش والمؤسسات الحكومية التي تحولت لفنادق شعبية مأهولة.

ضمت الرواية من بين شخصياتها “جيمي” الجندي الأمريكي، الذي ترك الجيش، ورفض المشاركة في حرب غير مبررة، فهو يرغب أن يصبح بطلا يدافع عن قضية ويموت من أجل مبدأ، لكن تلاعب الجيش الامريكي بالبيانات الخاصة، التي تصدر عنه وأيضا اكتشافهم أن العراق بالتأكيد تخلو من أسلحة دمار شامل، كل هذا ساعد جيمي أن يفكر ويتأمل أكذوبة الحرب على العراق، ثم ينضم لأصدقاء عراقيين، ويتعامل كأنه واحد منهم، لكن قصة المقاتل الأمريكي – في ظني- أخذت تطورا خطيرا وغير منطقي، فهذا الجندي الذي يرفض تعامل أمريكا مع الشعب الأمريكي ببيانات كاذبة، يلجأ إلى عالم دين مسلم تقليدي لا يتمتع حتى بالرؤية التنويرية، أو فلسفة تخرج الدين من حدود الغيبيات والخوارق إلى عالم المنطق والمعقولات، لكننا نجده يستسلم بسهولة للنطق بالشهادتين، والإيمان بمجيئ المخلص “المهدي” ليحرر الأرض من الظلم والجور، ويطمئن بسهولة للآيات القرآنية، والتصديق بمكانة الخاتم الذي زين به يده لكونه يضم حجرا كريمًا مباركًا، لقد اندفع المؤلف في هذا الطريق مبررا ذلك برؤية تكررت كثيرا لهذا المقاتل الأمريكي أثناء النوم.

اتسم “طعان” بعدة سمات أسلوبية، كشفت بسهولة عن العوالم الخفية لرواية “سيد بغداد”، فالمتلقي يجد بطريقة واضحة الراوي “الموازي للشخصية”، الذي استخدمه الكاتب يتفق مع الشخصيات في وصف الرئيس الأسبق صدام حسين بـ”الطاغية”، وربما إيمان الكاتب باستبداد صدام كان دافعًا خفيًا للبعد عن لغة محايدة، وترك الحكم للسان الشخصيات فقط، لكنه بصورة ما تورط في الانطلاق من نقطة ديكتاتورية صدام دون شك أو مواربة، على الجانب الآخر نجد اختلافًا كبيرا في التعامل مع المحتل الأمريكي، فكان الراوي ينطلق من نقطة أن الأمريكان بمثابة الغزاة والمحتلين، في حين أخذت الشخصيات حرية التعبير عن رأيها فكانت الأكثرية ترى أن أمريكا دخلت تساعدهم للخلاص من نظام مستبد، ورأى البعض فيها حلا لمشكلاتهم ، وتمتعت تلك القوات بنظرة إيجابية من الكثير بحسب الرواية.

في النهاية يمكنني أن أشير إلى نقطتين غاية الأهمية، فالنقطة الأولى: استيعاب المؤلف للميثولوجيا الدينية وتوظيفها خلال الأحداث، فمثلا الغجريات الهنديات تفرقن في البلاد وذلك لأنهم كانوا أصحاب المسامير التي تخللت جسد السيد المسيح ، وهو يقاسي آلامه فوق الصليب، فكانت عقوبة الله لهم ولنسلهم أن جعلهم فرقة في البلاد مشردين. ومنطقة الأهوار التي شهدت فيضان نوح فظلت مستنقعات وتحولت لجنة عدن، وأحجار جبل الينع المباركة لأنها من جبل اعترف لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة ولعلي بالوكالة ولأبنائه بالإمامة، واكتسب بريقه من وجه النبي موسى عليه السلام عقب تكليمه الله، وهكذا نجد هذه القصص التي ربما تكون من اليقينيات عند المسلمين الشيعة، لكنها -على أي حال- أشاعت جانبًا أسطوريا على تبرير بعض الأفعال.

بينما تكون النقطة الثانية متمثلة في كثرة تقديم “طعان” لتفسيرات ربما يكون المتلقي في غنى عنها، فهو يشرح بمزيد من التوضيح من هم شيعة الإمام علي، مما يعطل الأحداث، وأيضا نلمس ذلك عند شرحه لمعنى تسمية “محطة القدم” ليوضح أنها أرض وطئها النبي قبل نزول الوحي، ويفسر اسم “الست” أنه الاسم الذي أطلقه الناس على الضريح المدفون فيه جثمان حفيدة النبي وشقيقة الإمام الحسين السيدة زينب، وأيضا يقدم تفسيرا لأحجار جبل الينع، وربما يرجع السبب في ذلك أن الكاتب تسيطر عليه فكرة أنه يكتب بلغة غير العربية “وهي الفرنسية” ويخاطب جمهورا غير العرب.

على كل حال، فرواية الكاتب محمد طعان رصدت بشكل ماهر تطورت أوضاع الطوائف الدينية والعرقية وصراعتها مع السلطة، وتغيرات توزيعهم السكاني على أرض البلاد، أيضا كانت تحتفي بسيد بغداد الحقيقي وهو الحسين، الذي يظل بمثابة مثال يحتذى في النضال ضد التسلط والقهر والظلم.

شاهد أيضاً

أوجاع انقسام العراق وتشريد العراقيين وآلام الغربة واللجوء في رواية «العودة»

صدرت عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ رواية «العـودة» للكاتب العراقي المهاجر هيثم نافل والي، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: