الرئيسية / آراء حرة / دكتور هاني المرعشلي يكتب: مرسي جميل عزيز سوف يحيا
الشاعر مرسي جميل عزيز
الشاعر مرسي جميل عزيز

دكتور هاني المرعشلي يكتب: مرسي جميل عزيز سوف يحيا

 

دكتور هاني المرعشلي
دكتور هاني المرعشلي

آراء حرة| د/هانى المرعشلى رئيس قسم الفلسفة الإسلامية بجامعة طنطا

 

 

 

تأتى القلوب المعطاءة فى أزمنة تضن بالحب، لتملأها حباً وبهجة وتألقاً وجمالاً، وتغزو بعطائها النفوس الشحيحة، ومن أصحاب تلك القلوب مرسي جميل عزيز، الذى نحيي ذكراه بعد مرور أكثر من ثلاثين عام على رحيله.

وبرغم أنه عاش ثمانية وخمسين عاماً، إلا أنه من أكثر شعراء الأغنية الذين أثروا وجداننا بمعانى الحب والجمال، منذ نهاية الأربعينيات وحتى  وفاته.

شاعر الألف أغنية

لقد قبلنا وصفه بأنه شاعر الألف اغنية، لأن أغانيه مازالت تتردد على أسماعنا، بل ترددها قلوبنا .

فهل يمكن أن ينسى أحدنا «يا امه القمر ع الباب»  أو «ياحبايبى ياغالين» أو «حبك نار» أو «بيت العز يابيتنا»؟

تمر السنوات. ومازالت الكلمة الأصيلة ترتبط به، والمعانى الجميلة الرقيقة تنتسب إليه.. ولاتزال الأغنية الراقية تحمل اسمه. إنه الشاعر الكبير المرهف الحس فارس الأغنية.

أشاع معانى الحب والأمل لتفوح بعطرها حتى بعد رحيله، فمازال موجودا بكلماته العذبة التى غنتها له كوكب الشرق ام كلثوم،  وجعلت من سيرة الحب نسائم عطرة تمتعنا بها فى الف ليلة وليلة ولنقول للحزن والاسي فات الميعاد.

وجعله العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ يهون علينا مصاعب الحياة بضحك ولعب وجد وحب لنعش أجمل حكاية حب مع أعز الناس حبايبنا،

هذه محاولة لتأمل هذا الوجود المتميز والخالد لهذا الشاعر

بالرغم من أن البداية التاريخيه للغناء العربي كانت شعراً فصيحاً، فإن العرف جرى على إطلاق كلمة الأغنية كمصطلح فنى على الأغنية المكتوبة بالعامية، التى استقرت على عرش الغناء، باعتبارها لغة الحياة اليومية، ولسان الحكى الذى يعبر عن كل ما يعترى الإنسان من حالات الحزن والسرور والأسى والفرح والبهجة والألم.

مرسي مع فريد الأطرش
مرسي مع فريد الأطرش

مما أدى بنفر من عمالقة الشعر الفصيح إلى الرضوخ  لغواية العامية، فكتب الأخطل الصغير «بشارة الخورى» أغنية «ياورد مين يشتريك» ليغنيها محمد عبدالوهاب، كما قام أمير الشعراء «شوقى» بالكتابة خصيصاً لعبدالوهاب نصوصاً بالعامية: «النيل نجاشي/ فى الليل لما خلى/ إللى يحب الجمال»، فكان ذلك من حالات الاستثناء فى إنتاج هؤلاء الشعراء.

إلا ان عالم الغناء قد عرف من تمكن وبرع فى شعر الفصحى، لكن تفرغه الطويل لكتابة الأغنية بالعامية قد طمس –أو كاد- شاعريته الفصيحه العالية بجلاء، ذلكم هو فارس الأغنية المصرية «مرسي جميل عزيز»،  الذى لقب بألقاب عديدة، كان من اشهرها: «شاعر الألف أغنية»، دلالة على غرازة إنتاجه غير المسبوق.

تشكل الفترة التاريخية من 9 يونيو عام 1921 حتى 9 فبراير عام 1980، واحدة من العلامات البارزة فى ساحة الوجدان العربي بعامة، والمصرى بخاصة، حيث كان فارسنا هو محور الارتكاز الذى دارت من حوله وارتبطت به، ركائز الطرب فى دائرة ساطعة من الشهرة، لتشكل فى مجموعها ساحة الغناء العربي من مطربين ومطربات، ولا أبالغ إن قلت وموسيقيين أيضا.

حياة مرسي جميل عزيز

ولد مرسي جميل عزيز فى 9 يونيو عام 1921 بمدينة الزقازيق محافظة الشرقية، فى مناخ من الثراء المادى حيث كان والده من كبار تجار الفاكهة، مما يسر له ممارسة هواياته كلها فى مدرسة الزقازيق الثانوية التى تلقى تعليمه فيها، مما أهله للالتحاق بكلية الحقوق.

فى الثانية عشرة من عمره، انبثقت زهرة الشعر فى أعماقه،  حين كتب أول قصائده فى رثاء أحد أساتذته.

بلوغه سن الثامنة عشرة فى عام 1939،  ويمثل هذا العام علامة بارزة فى حياة مرسي جميل عزيز،  وذلك لوقوع حدثين مهمين آنذاك، الأول: هو قيام الإذاعه المصرية بإذاعة أول عمل له، وكان قصيدة بعنوان «الفراشة»، والتى قام بتلحينها العملاق رياض السنباطى.

التعاون مع كوكب الشرق
التعاون مع كوكب الشرق

أما الحدث الثانى: فهو ذلك النجاح الأسطورى الذى حققه شاعرنا عندما غنى له عبدالعزيز محمود- أشهر مطربي العصر وقتئذ- أغنية «يامزوق يا ورد فى عود»، فكانت بداية قوية وانطلاقة صاروخية – كما قال النقاد- لفتت انتباه الناس وأنظارهم إلى ذلك الشاعر القادم بقوة على درب الأغنية.

فى عام 1963 تم إنشاء معهد السينما، فالتحق به فى أول دفعه، وتخرج بعد حصوله على دبلوم فى كتابة السناريو،  وكان يزامله فى ذلك الوقت المخرج الكبير صلاح أبو سيف.

تجاوزت كتاباته الألف أغنية، تغنى بها أكبر المطربين والمطربات على رأسهم أم كلثوم، فريد الأطرش، وعبدالحليم حافظ، وورده الجزائرية، ونجاة الصغيرة، وفايزة أحمد، وصباح، وعفاف راضى.

كما كتب الأوبريت الغنائي، والقصة القصيرة، والسيناريو،  إضافة إلى المقالات الأدبية التى نشرت فى الصحف والمجلات.

التكريم من رؤساء مصر

فى عام 1965، حصل من الرئيس جمال عبدالناصر على وسام الجمهورية للآداب والفنون، رائداً للأغنية العاطفية، وفى عام 1979 أمر الرئيس أنور السادات بعلاجه على نفقه الدولة حينما اشتد به المرض، وسافر للعلاج بالولايات المتحدة الأمريكية، وعاد للبلاد ليلفظ أنفاسه الأخيرة،  ويلقي ربه في 9 فبراير 1980 ودفن جثمانه بمحافظته التي عشقها الشرقيه.

كيف تمكَن شاعرنا أن يصبح علي ما هو عليه؟ وما هي عوامل التكوين ومؤثراته التي تضافرت معًا لتكون بوتقه انصهر فيها شاعرنا، ليخرج علينا وعلى العالم بهذه الشخصية الفريدة والمتميزة، دونما خلاف على تفردها أو جدتها؟!.

عوامل التكوين

أما عوامل التكوين فهي: الله تعالى حيث اختص شاعرنا بموهبه مدعومة بذكاء فطرى، ثم والده وما تميز به من ثراء مادى وتفتح عقلى؛ فلم يقف في وجه رغبات ابنه، ويسر كل ما تاقت نفس الابن إليه من أدوات ومصادر ترفد مواهبه الفنية و الأدبية.

وتمكن شاعرنا وإجادته للغات الإنجليزية والفرنسية، وتنوع هواياته وتعدد اهتماماته؛ فقد شبّ شاعرنا عاشقاً للأدب والشعر والموسيقى والتصوير الفوتوغرافى، والملكات العلميه والمعرفيه لمرسى جميل عزيز؛ والتى جعلته بالرغم من تنوع كتاباته و غزارتها، لا يعتمد على موهبته الأصيلة و الثرية وحدها؛ وإنما عمل على صقلها بالتثقيف والدراسة، ما دفعه إلى الالتحاق بمعهد السينما فور إنشائه – وهو يبلغ من العمر الثانيه والأربعين – لدراسة السيناريو.

وقد تفاعلت كل هذه العوامل لإمداده أولا بروافد فكرية، وثانياً على اكتسابه سمات جمالية وفنية واجتماعيه تميزه، وتؤكد تفرده ولا تخفى على عين الباحث فى هذا الرصيد الهائل من أغانى مرسى جميل عزيز.

مرسي جميل عزيز: سوف أحيا

وفقاً للتاريخ والزمان، كتب مرسي جميل عزيز قصيدتين مهمتين: فى عام 1955 كتب «سوف أحيا» التى تغنت بها فيروز من ألحان الرحبانية، يقول فيها:

«لم لا أحيا.. وظل الورد يحيا فى الشفاه

ونشيد البلبل الشادى حياة لهواه

لم لا نحيا ..

 وفى قلبي وفى عينى الحياة

سوف أحيا.. سوف أحيا»

حليم
حليم

وفى ذكرى الأربعين لوفاة عبدالحليم حافظ عام 1977، كتب قصيدة “لا لن يطول الانتظار” يرثيه فيها قائلا:

لننتظر ولن يطول الانتظار وعن قريب سوف يرفع الستار ويختتمها:

«لكن أربعين ليلة مضت

مشوقه لفجرها النائى المزار

 ونحن فى انتظاره يهل فى

 نسمة عطر من شذى أحلى الديار

 وعن قريب ياحليم تلتقى أحضاننا ..

ولن يطول الانتظار»

 وبالفعل رحل عنا شاعر الرومانسية، والحساسية المرهفة، فارس الأغنية مرسي جميل عزيز فى 9 فبراير،  قبل انقضاء ثلاثة سنوات على رحيل العندليب الأسمر.

إلا أنه رحل عنا بجسده فقط، ولا زالت روحه سارية فى كلماته، ولا زالت كلماته حية راسخه، موقظة للوجدان، طالما كان ثمة وعى ووجدان وحياة.

ومن هنا اعتقد أنه يمكننا مناقضة الزمان التاريخى، حيث أن بقاء شاعرنا معنا حتى الآن، يدفعنا لتبديل هذا التاريخ،  فتكون «لا لن يطول الانتظار» 1977 هى الأولى، وتكون «سوف أحيا» 1955 هى الأخيرة، معبرة عن واقع الحال بالفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: