الرئيسية / آراء حرة / حسام الحداد يكتب في المسكوت عنه: المثلية الجنسية في تاريخ العرب والخلفاء
المثلية الجنسية في التاريخ العربي
المثلية الجنسية في التاريخ العربي

حسام الحداد يكتب في المسكوت عنه: المثلية الجنسية في تاريخ العرب والخلفاء

الباحث والصحفي حسام الحداد
الباحث والصحفي حسام الحداد

آراء حرة| حسام الحداد يكتب: المثلية الجنسية في تاريخ العرب والخلفاء

 

 

يصدم البعض حينما يعرف أو يقرأ بأن المثلية الجنسية كانت موجودة في المجتمع العربي في فترة ازدهرت فيها الحضارة العربية والاسلامية وبدأت تتبلور فيها ملامح العلوم الدينية وغيرها من العلوم.

 وكانت العراق ولاسيما بغداد والبصرة والكوفة وسامراء، أشهر حواضر الإمبراطورية العباسية قاطبة، تعيش في سعة من الحياة المادية، والبذخ والرفاهية المفرطة، وتتفنّن في صنوفها.

 يُضاف إلى ذلك كله، تلاقح الثقافات وتلاقي الأعراق والأجناس من عربية وفارسية ويونانية وتركية، وغيرها كثير، إذ كان من الطبيعي أن تؤدي تلك البيئة المحيطة والمتحررة وما أفرزته، إلى أنماط حياة مادية فاضحة من المجون والخلاعة والعبث والمثلية الجنسية.

وقد تكون من المفارقات العجيبة الغريبة، أن بعض الخلفاء كانوا على رأس الممارسين لمثل تلك الأنماط الحياتية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: الأمين ومن قبله أبوه هارون الرشيد الذي كان يتساهل في هذا الأمر.

ولا غرو فالناس على دين ملوكهم، كما يُقال وقد يكون، في حكم المؤكد، أن الحضارة العربية الإسلامية، ورثت تلك العادة عن الحضارات التي سبقتها. سيما أنها بدأت على عهد الدولة العباسية.

 ومنهم من يعزو سبب الانتشار الواسع لظاهرة المثلية الجنسية، وتسرب الفاحشة بين الذكران في المجتمع العربي، منذ منتصف القرن الثاني الهجري، على عهد الدولة العباسية ذات الطابع الفارسي البارز، إلى أنه كان عن طريق الفرس أنفسهم.

وقد نُسب إلى أبي مسلم الخراساني، في ألذ العيش، قوله «طعام أحبر ومدام أصفر وغلام أحور».

 ولما سُئل عن تقديم الغلام على الجارية قال «لأنه في الطريق رفيق، وفي الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل»، (أبو القاسم حسين بن محمد الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء، ج2،ص144،مطبعة المويلحي).

مجون العصر العباسي

 كذلك أطلق الخلفاء الحبل على الغارب للحريات وللعواطف، دون رقيب من دين أو سلطان، فانغمس كثير من الشعراء والكتاب في الترف واللهو والمجون!

الشعراء والأدباء والمثلية الجنسية

انتشرت المثلية الجنسية  في المجتمع العباسي كانتشار الداء، إلى أن أصبح ظاهرة فاشية ومستشرية بشكل مقلق، فجاهر به الشعراء الماجنون، أمثال: بشار بن برد وأبو نواس ومطيع بن إياس ويحيي بن زياد وحماد عجرد وسلم الخاسر ووالبة بن الحباب وإبان اللاحقي وآخرون.

ولم يقتصر التهتك والمثلية الجنسية على الشعراء وحدهم، إنما تجاوزه إلى غيرهم من العلماء والأدباء والكتّاب، وقد عُرف منهم أبو عبيدة النحوي البصري المعروف، والكسائي النحوي المشهور (يوسف بكار : اتجاهات الغزل في القرن الثاني الهجري، ص189-190).

قضاة العصر العباسي

كذلك، هو واقع الأمر لدى بعض القضاة، ومنهم يحيي بن أكثم قاضي البصرة إذ كان معروفاً بكثرة لواطه، حتى ضجّ الناس به، ورفعوا أمره إلى الخليفة المأمون «قال أهل الأخبار إن القاضي يحيي بن أكثم كان مشتهراً بحب الغلمان.

وأن أهل البصرة رفعوا بأمره إلى المأمون قبل اتصاله به وقالوا فيه: إنه قد أفسد أولادهم وظهرت منه الفواحش فاستعظمها المأمون وعزله عنهم» (الشريشي: شرح مقامات الحريري البصري، ج1، ص185، مكتبة الثقافة، بيروت، 1952).

 وقد قيل في ذلك شعر، يصف ما آل إليه هذا الواقع (الشريشي: شرح مقامات الحريري البصري، ج1، ص185-186)

«أميرنا يرتشي وحاكمنا يلوطُ والشر بيننا راس

قاض يرى الحدّ في الزناة ولا يرى على من يلوط باس»

وكذلك:

«متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها إذا كان قاضي المسلمين يلوط»

ومنهم أيضاً القاضي الجرجاني، مصنّف كتاب (الوساطة بين المتنبي وخصومه)، فقد اشتهر بحبه للغلمان ومزاولته لتلك العادة السيئة، وفي ذلك، يقول أحد الباحثين «وكان القضاة والفقهاء والمحدثون، يشاركون عصرهم استساغة لهذه العادة» (محمود السمرة: القاضي الجرجاني، الأديب الناقد، ص92)!

وكان الجرجاني صديقاً للوزير الأديب الصاحب بن عباد ومقرّباً منه، الذي اشتهر هو الآخر بتلك العادة «والصاحب بن عباد يفتنه أحد غلمانه الكثيرين بغنجه ولثغته فيقول فيه:

وشادن قلت له : ما اسمك ؟ فقال لي بالغنج عباث

فصرت من لثغته ألثغا فقلت: أين الكاث والطاث».

تفضيل الغلمان

ولكثرة ما شاع خبر المثلية الجنسية واشتهر، وكثُر الميل نحو تفضيل الغلمان على الجواري، في مختلف طبقات المجتمع العباسي، جعل حتى الجواري يتشبّهن بالغلمان في الملبس والمظهر، فأطلق عليهن لقب (غُلاميات) تشبهاً بالغلمان، هذا بدل أن يكون العكس، هو الصحيح!

يقول الجاحظ في ذلك «إن من فضل الغلام على الجارية، أن الجارية إذا وُصفت بكمال الحسن قيل: كأنها غلام، ووصيفة غُلامية»  (الجاحظ: الرسائل، ج2، ص195)

ولعل في الفقرة الآتية، ما يقوم بتوصيف دقيق، لظاهرة المثلية الجنسية  في واقع المجتمع آنذاك «ومن مظاهر طغيان الجنس، انتشار الشذوذ الجنسي حتى أصبحت المثلية الجنسية (أو كادت تصبح) ظاهرة طبيعية لا غرابة فيها، ولا تختص بفئة من الفئات الاجتماعية .

قد اشترك فيها العوام والخواص من الخلفاء، إلى الأمراء والوزراء، إلى القضاة… إلى السوقة والرعاع…

ظاهرة لم تعد تُنكر أو تُستفظع، وإنما أصبح يتجاهر بها أصحابها، وينوّهون بها في أشعارهم، معتزّين بها، يرون فيها عنوان امتياز في الذوق، ودليلاً على البصر بفن الحياة، وعلى مستوى رفيع في الحضارة» (البشير المجدوب: الظرف بالعراق في العصر العباسي فيما بين القرنين الثاني والرابع للهجرة، ص93)

المثلية الجنسية عند العرب

وقد عرف العرب ممارسة «اللواط» منذ القدم. لم تكن صورته كما صورته في ذهننا اليوم عندما نتحدث عن المثلية الجنسية.

لم يكن ممارسةً ينتج عنها تصنيف ممارسيها إلى فئات ذات رغبة متمحورة حول الذكر، بل كانت ممارسة غالباً ما تجتمع مع ممارسات أخرى مع الجنس الآخر.

تعود معظم الأخبار والأشعار التي تتحدث عن المثلية إلى العصرين العبّاسي والأندلسي.

هذا لا يعني أنها ممارسة نشأت في هاتين الحضارتين، فقد عرفت قبل ظهور الإسلام واشتهر به بعض الخلفاء الأمويين.

حكم اللواط في الإسلام

ولم يضع القرآن حداً واضحاً على من يمارس المثلية واكتفى بالتطرّق إليها بشكل سلبي وبالذمّ بقوم لوط الذين مارسوها.

هذا الغياب سبّب أزمة بين الفقهاء حول الحدّ المفروض على من يمارسه.

تذكر كتب الحديث حديثاً ضعيفاً عن ابن عبّاس عن النبي يقول: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به».

تشير الروايات المنقولة عن الصحابة إلى تعاملهم الشديد مع ممارسها. منهم من دعا إلى رجمه بالحجارة حتى الموت، ومنهم من قال: «يُحرق»، ومنهم من قال: «يرمى به من أعلى شاهق».

الوليد بن يزيد الخليفة الفاسق

عرف كثير من الخلفاء، أمراء المؤمنين، بممارسة «المثلية الجنسية»، وتتحدث بعض الروايات عن أن يزيد بن معاوية مارسه.

ولكن أشهر من اشتهر بذلك في العصر الأموي كان الخليفة الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

وصفه السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء» بأنه «الخليفة الفاسق أبو العباس» وقال عنه شمس الدين الذهبي في كتابه «تاريخ الإسلام»: «اشتهر بالخمر والتلوّط»، وبعد قتله، قال أخوه سليمان بن يزيد: «لقد راودني عن نفسي».

المثلية الجنسية في التاريخ العربي
المثلية الجنسية في التاريخ العربي

الأمين وعشق الغلمان

وفي العصر العبّاسي، صارت ظاهرة ممارسة الخلفاء «اللواط» ظاهرة شبه عامة. يروي الطبري في تاريخه أن الخليفة الأمين «طلب الخصيان وابتاعهم وغالى بهم وصيّرهم لخلوته في ليله ونهاره… ورفض النساء الحرائر والإماء».

ويُروى أن والدته حاولت ثنيه عن عادته هذه فأتت له بفتيات يتشبّهن الغلمان دون أن تنجح في مسعاها.

ويحكى أن الأمين كان متيّماً بأحد الغلمان ويدعى كوثر وأنشد فيه شعراً يقول: «كـوثـر ديني ودنياي وسقمي وطبيبي/ أعجز الناس الذي يلحي محباً في حبيب».

على عكس الأمين، عُرف أخوه المأمون بعلاقاته الكثيرة مع النساء. رغم ذلك تتحدث بعض المرويات عن تعلّق الخليفة بغلام اسمه «مهج» كان الوزراء يتوسّطون به لدى المأمون لقضاء حاجاتهم.

 كما تروى رواية عنه فيها أنه نظر إلى غلام فقال له ما اسمك؟ فأجابه: لا أدري فقال: «لم أر مثل هذا» وأنشد: «تسمّيت لا أدري لأنك لا تدري بما فعل الحبّ المبرّح في صدري».

وفي ولاية المأمون، اشتهر القاضي يحي بن أكثم، قاضي القضاة، وصاحب التأثير في تدبير الملك. إلى جانب علمه الديني الواسع ينسب إليه شعر يتغزّل فيه بشابين، ويقال إنه تمّ عزله عن منصبه بسبب هذه الأبيات.

وقد أنشد فيه أبو نواس: «أنا الماجن اللوطي ديني واحد/ وإني في كسب المعاصي لراغب/ أدين بدين الشيخ يحي بن اكثم/ وإني لمن يهوى الزنى لمجانب».

كذلك، امتلك الخليفة المتوكل عشيقاً اسمه «شاهك»، ويروي المسعودي في كتابه «مروج الذهب» أن الخليفة المعتصم كان يحب جمع الأتراك وشراءهم من أيدي مواليهم «فاجتمع له منهم أربعة آلاف فألبسهم أنواع الديباج والمناطق المذهبة والحلية المذهبة».

شاهد أيضاً

مقالات الوقائع اليوم

أحمد عبدالعليم يكتب: بحثا عن آلة الزمن … أسئلة في معنى النجاح

آراء حرة| أحمد عبدالعليم         في لقاء صحفي مع الفيلسوف الفرنسي الشهير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: