الرئيسية / آراء حرة / أدهم مسعود القاق يكتب: شاعر الحبّ الرومانسي في زمن النهوض القومي.. مرسي جميل عزيز
مرسي جميل عزيز
مرسي جميل عزيز

أدهم مسعود القاق يكتب: شاعر الحبّ الرومانسي في زمن النهوض القومي.. مرسي جميل عزيز

آراء حرة| أدهم مسعود القاق: كاتب سوري، دكتوراه في الدراسات النقديّة، مركز ليفانت للدراسات الثقافية والنشر

 

 

«لولا الحبّ ما كان في الدنيا ولا إنسان»، بهذه العبارة ينهي الشاعر قصيدته الأخيرة، ويغلق باب حياته التي لم تكن إلّا عدمًا من دون الحبّ، الذي أراده عنوانًا لأشعاره: «يلّلا يا قلبي يا أسعد قلب / نملا الدنيا حب في حب / يا حبيبي.. الحقني قوام الحقني / على الجنة الحلوة اسبقني».

 كما يدعو السامع إلى النوم في غرام، ويفسّر الأحلام، ويصبح غنوة للعاشقين، وألّا يترك قلب حزين؛ فهل استحالت حياته عدمًا بعد افتقاده للحبّ؟  لقد كانت عيون الحبيب تأمر، وتذوب الروح في حبّه، وتطرق بابه صباحًا ومساءً، ثمّ يغمز الشاعر من ظلم المجتمع للمحبين في قصيدة سيرة الحبّ: «العيب فيكم أو في حبايبكم»، وليس بالحبّ، لأنّ «الحبّ يا روحي عليه»، معه: «نتعب، نغلب، نشتكي منه، لكن بنحب».

إقرأ أيضا

دكتور هاني المرعشلي يكتب: مرسي جميل عزيز سوف يحيا

 هذا هو مرسي جميل عزيز (15/ 2/ 1921– 9/ 2/ 1980) الذي تحلّ الذكرى الحاديّة والأربعين لرحيله، لقد أسهم بتشييد معالم الحياة الصاعدة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي المتّسمة بمحاولة نهوض الشعب العربي للحاق بركب التقدّم الحضاري. وكان قد حفظ القرآن الكريم والمعلقات السبع منذ صغره، وقرأ أشعار بيرم التونسي، ثمّ كتب الشعر، وكانت أول قصيدة مغناة له عام 1939م هي الفراشة التي لحنها رياض السنباطي.

مرسي جميل عزيز
مرسي جميل عزيز

وأهم ما أسهم ببلورة موهبة مرسي جميل عزيز توقه لتوثيق الأهازيج والأغاني الشعبيّة، إضافة إلى نداءات البائعين والجوّالين المستمدّة من روح الفولكلور الموسيقي والغنائي المحلّي، إذ صاغها على شكل قصائد غنائيّة انسجامًا مع متطلبات عصره وفضائه الزماني والمكاني؛ ثمّ استمدّ تقنيات قصائده الفنيّة والجماليّة من التراث العربي الإسلاميّ، ومن نظريات النقد والأدب العالمي، ومن علوم اللغة الحديثة.

درس بكليّة الحقوق، وتخرّج منها. وكان متنوع المواهب، إذ طرق كثيرًا من أبواب الإبداع السرديّ والشعري، على الرغم أنّه كان يشتغل مع أبيه ببيع الخضار والفاكهة منذ صغره؛ ومن الأبواب التي كتب فيها: المقالة الصحفيّة والقصة القصيرة وبعض سيناريوهات الأفلام السينمائيّة بعد حصوله على دبلوم في كتابة السيناريو عام 1963م، كما كتب أغاني أوبريت (عواد باع أرضه).

اشتهر مرسي جميل عزيز بصفته شاعر أغانٍ لكبار مطربي عصره، وقد فاقت عدد قصائده المغناة الألف أغنيّة؛ غنّى له فريد الأطرش (أنا وانت وبس)، ووردة غنّت له (أكدب عليك) لحنها محمد الموجي، وكتب لصباح (يانا يانا) التي لحّنها بليغ حمدي، ومحرم فؤاد غنّى له (رمش عينيه، ويا غزال اسكندراني) وكتب لفيروز (سوف أحيا) ولحن كلماتها الرحابنة، وشادية غنّت له (على عشّ الحبّ، نور عينية) وفايزة أحمد (بيت العز، يمّا الأمر عالباب، …) وأم كلثوم (ألف ليلة وليلة، وسيرة الحبّ، فات الميعاد، …) لحنها بليغ حمدي أيضًا، وعبد الحليم حافظ الذي غنّى له خمسًا وثلاثين أغنية، وكان آخرها (من غير ليه) التي لحنها عبد الوهاب، وحال الموت من دون أن يؤدّيها عبد الحليم فغناها عبد الوهاب بعد موت مرسي أيضًا.

مرسي جميل عزيز
مرسي جميل عزيز

من مآثر الشاعر مرسي جميل عزيز طاقاته الفذّة على توظيف اللغة العربية المتداولة بين الناس، اللغة التي يولد الفرد بأحضانها، فجعلها أمًّا احتضنت أبناءها وحنت عليهم، لقد وعى ضرورة تحميل لغة الناس المحكيّة معانٍ عظيمة، فخدم العربية بقصائده، وأحياها، وفجّر جمالياتها، حتّى جعلها حيّة على ألسنة الناس من خلال جميل قصائده في أبهى أزمنة العرب الحديثة.

ولعلّ موضوعات قصائده المفعمة بالحب والعواطف الجيّاشة والتوق للانعتاق والحرية، التي انتصر بها للأنوثة الخلّاقة لبيئة المحبة والصدق والشجاعة، كانت وراء شعبيّة كلمات أغانيه بين النساء اللواتي انتصر لهنّ، والشاهد في ذلك مكانة عبد الحليم حافظ وحظوته في عالم  النساء وقلوبهن، بعد أن استحوذ على العدد الأكبر من كلمات أغاني مرسي، إضافة إلى جيل الشباب الذي لا يزال إلى الآن يطلب الأغاني التي كتب كلماتها الشاعر انسجامًا مع أرواحهم الوثّابة نحو دروب الحبّ والحياة الحرّة.

استحقّ مرسي جميل عزيز وسام الجمهورية للفنون والآداب الذي منحه إيّاه الرئيس جمال عبد الناصر عام 1965م بصفته شاعرًا رومانسيًّا جديدًا استجاب لعواطف الحبّ وملبيًّا لنداء الوطن بالتحرر.

الشاعر مرسي جميل عزيز
الشاعر مرسي جميل عزيز

حلم الشاعر مع أبناء أمته بتغيير واقع الجهل والظلم، وانتصر للحبّ المفعم بالأنوثة طيلة ربع قرن، وانتهى الحلم بحالة نكوص وتقهقر بعد هزيمة 5 يونيو / حزيران 1967م. وبعد أن شرع الحكّام بالمسار الفعلي للهزيمة، وعمّت الفوضى؛ رحل الشاعر، وكأنّه أبى أن يشهد على تردّي أحوال الناس بظلال سياسات الفساد والتخلّف والقهر؛ كما أنّه رفض التنازل عن الحبّ على الرغم من تراكم أسئلة الوجود الفلسفيّة في فكره التي بلورها في قصيدة «من غير ليه» وحمّلها أفكارًا عظيمة فطرح أسئلة الوجود الأبدية: لماذا وإلى أين نتجه وماذا نريد، نفرح ونحزن ولا نعرف لماذا، لم يختر أحدٌ بمجيئه، لذلك ما على البشر إلّا أن يحلمون بالحب ويعيشونه بصحوهم فـ: «الحبّ يغنينا عن السؤال، ولولاه ما كان في الدنيا ولا إنسان» تُرى أيكون الشاعر استشرف مستقبلًا قاتمًا لشعبه، أبى أن يعيشه، فرحل عن دنياه؟ أم أنّ رحيله جاء بسياق رحيل أبطال حاولوا النهوض القومي بدءًا من عبد الناصر ثمّ غسان الكنفاني وكمال جنبلاط إلى طه حسين وأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم وغيرهم؟

بعد وقوعه ببراثن المرض، أرسل إلى مشافي الولايات المتحدة، ولكنّه أبى أن يستمرّ بالحياة وسط أمّة يقودها حكامها على مسار نكوصها الذي تمظهر في تردّي سلوك الناس وفكرهم وقيمهم ومشاعرهم، فتوفيّ، ودفن تحت ثرى موطنه مصر، بمحافظة الشرقيّة، مدينة الزقازيق في 9 فبراير 1980م.

سلامًا على روحه الطاهرة في ذكراه العطرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: