الرئيسية / آراء حرة / الكاتبة السورية ريما الجباعي تكتب: محاولات في البحث عن الأنا
الكاتبة السورية ريما جبيعي
الكاتبة السورية ريما جبيعي

الكاتبة السورية ريما الجباعي تكتب: محاولات في البحث عن الأنا

الكاتبة السورية ريما جبيعي
الكاتبة السورية ريما جبيعي

آراء حرة| الكاتبة السورية ريما الجبياعي تكتب: محاولات في البحث عن الأنا

 

 

 

 

 

الطب النفسي هو وصفة سحرية للعبور إلى الجنون.. «أيأخذ الإنسان ناراً في حضنه ولا يحترق بالنار».

كل انعطاف في حياتي كان جديداً كلياً، تعلمّت مبكراً الانتعاق من الذي انتهى والبدء من جديد، كنت أزعم أن المكان لا يعنيني وأن الظروف الذاتية تقود الظروف الموضوعية والعكس ليس صحيحاً بحسب منطق الديالكتيك الماركسي، ولا أزعم أني ماركسية، بل لا تعنيني كثيراً ألتصنيفات، ووفقاً لهذا القانون كانت حياتي تسير هكذا (وسأكتشف بعد خمس سنوات من الانزياح أنها ما زالت) حيث أنه لا يمكن ولا بأي حال من الأحوال مهما امتلك الإنسان من الأدوات والمعرفة أن يحكم سوى ظروفه الذاتية إذ كل ما هو خارجه غير محكوم، وعلى هذا الأساس تصبح المقولة صحيحة.

لم أختر مكاني يوماً منذ جيء بي إلى هذا العالم البائس إلى اليوم، ولم تكن الحياة يسيرة، ولم يغلبني الظرف وإن تعاركنا معاً كثيراً، طالما أني حافظت على علاقتي بنفسي وتصالحي معها، وهكذا وجدت نفسي، مدفوعة بالظروف، في ألمانيا كأي مكان سكنته سابقاً، لكن ربما للمرة الأولى في حياتي لم يكن لدي ما يثير القلق والحافز للركض المستعر لتوفير وسائل الحياة، فأنا أنعم هنا بما توفره “الحضارة الغربية” من مسؤولية الدولة عن تقديم الحد الأدنى اللازم للحياة لمواطنيها أو المقيمين فيها، ومحمّلة كغيري بالكثير من الخيبات والانكسارات الشخصية والعامة كنت أختزن حزناً وألماً، ربما لم يتح لي الوقت لأترك لمشاعري العنان وإطلاقها دفعة واحدة.

وهكذا وجدت نفسي استسلم للحزن وأنا التي أزعم أني شخص سعيد بالمجمل، وبالرغم من صعوبة الظروف كنت غنية دوماً بالحب والقلوب الرائعة فإن سقطت يميناً تسندني العشرات من قلوب الطيبنن وإن لم يجمعني بهم سوى المكان، وإن سقطت يساراً تسندني عشرات القلوب النبيلة جهة القلب لأصدقاء حباني العمر بهم، وإن سقطت إلى الخلف ارتيمت في حضن أسرتي التي غادرتها طوعاً فتغمرني بالدفء والحب غير المشروط، و لو سقطت إلى الأمام تلقفتني الكثير من القلوب الرقيقة التي تجد أن جزءاً من التزامها الإنساني احتضاني في لحظة ضعفي كإنسان حتى لو لم تكن تعرفني أو يربطني بها أي علاقة..إذاً ما أسعدني وما أغناني ومأ اكثر مصادر فرحي.

تجربتي مع الطب النفسي والتشخيصات العشوائية

كنت قد أعلنت من قبل أنه تم تشخيص حالة الكآبة الدائمة التي سقطت فريسة لها على أنها ثنائي القطب (Bipolar)، وأيضاً لم يتوانَ كل من له علاقة بالطب النفسي أو الطب بشكل عام وحتى الصيدلة في تقديم العون، والمشورة، مع امتناني الشديد، وبدأت “اللعبة” اعتذر منهم عن استخدام هذا المصطلح إن بدا فجاً ولكن سيتضح السبب بعد قليل.

ما زلت معتدة بسعيد صاحب الذنب الأول في وجودي، قبل أن أعرف المسيح وعبارته الشهيرة: “ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم وخسر نفسه”. علمني سعيد أن من لا يحترم نفسه لا يحترمه الناس وإن تظاهروا بذلك، وعلى هذا فأنا أنا على الفيس بوك أو على الواقع أحترم نفسي أولاً كما أحترم الآخرين، وقبل أن أعرف هشام شرابي وأعجب به أيما إعجاب في عبارته: “الاستغياب والمجاملة وجهين لعملة واحدة”، وبالتالي وفي الوضع الكارثي الذي نعيشه اليوم وبصورة خاصة كسوريين، فنحن أشبه ما نكون بركاب طائرة قد تتعرض للسقوط بأي لحظة ومن أهم إجراءات السلامة وتوجه بشكل أساسي للأمهات/الآباء: إن سقطت كمامة الهواء كتحذير من الخطر من الضروري أن تضعها الأم على وجهها أولاً قبل أن تهتم بطفلها، بمعنى آخر وبعبارة بسيطة ليست بسلبية أو أنانية حين تهتم بنفسك وتضع نفسك أولاً بل هي واجب إذ إن لم تكن بخير فلن تستطيع أن تقدم شيئاً للآخرين، هذا إن لم تصبح عبئاً عليهم.

كي لا أطيل، وأنا الميالة إلى السرد والتفاصيل وكثرة الحكي، سأنتقل مباشرة إلى لب المشكلة:

ازدادت كآبتي سوءاً ليس فقط بحكم وجودي في قرية صغيرة تغلق علي فرص التحرك لإنجاز أي شيء ذا جدوى على الصعيد الشخصي كدراسة اللغة أو تطوير مهتني أو إيجاد عمل، تزوجت وباتت إجراءات لم الشمل والانتظار والقوانين والبيروقراطية وعدم مهنية المحامية، عاملاً إضافياً في شعوري بالضيق والكآبة وارتبكت طبيتي وحارت في تقلبات مزاجي التي لا تشبه من قريب أو بعيد ثنائي القطب التي تحاول شفائي منه، ولأني أحترم جسدي منذ تعرفت على اليوغا في فترة عمرية مبكرة، وأهتم به ما أوتيت إلى ذلك سبيلا، وقد استندت على مهارات الاسترخاء لإطالة الوقت الذي يمكنني فيه من تحقيق أهدافي التي أضعها لنفسي، ولأني تعرفت على “Briain Tracy” مبكراً وبالصدفة كما تعرفت على جميع الأشياء والأشخاص، فقد تعلمت أن أضع لنفسي أهدافاً وخطة خمسية، فكان بإمكاني أن أستغل 27 ساعة في أي عمل يحتاج لجهد عقلي، و49 ساعة متواصلة كحد أقصى في أعمال لا تحتاج إلى تركيز كسهرات ومسيرات فريق المشي، دون نوم معتمدة فقط على تمارين الاسترخاء والتركيز.

في عزلتي التي وجدت نفسي بها، لا وقت لدي للنوم أو للصحو بل بحسب ما أشعر بحاجتي لذلك، فإن كنت متحمسة لشيء ما قد يكون مثلاً متابعة مسلسل تركي بمئة حلقة، وقد فعلتها، فاكتفي بالاسترخاء وأقاوم النوم، ثم أنام بعدها ما أشتهي، وإن كنت محبطة أنام وقتاً طويلاً ربما أيام لا رغبة لي بفعل شيء، وهذا ما دفع الطبيبة لتشخيص حالتي على أنها ثنائي القطب، ولشدة ما شعرت بالضيق والفشل والوحدة نسيت أني أعرف نفسي جيداً، وعلاقتي بالطب النفسي ليست حديثة ولا جديدة على أية حال، واستسلمت لما تراه الطبيبة وبدأنا مشوار تجريب الأدوية ومما أدهش طبيتي أن عانيت من جميع الأعراض الجانبية للأدوية بما فيها ذات النسبة صغيرة الحدوث، وأزعجها كان انخفاض الضغط الانتصابي الذي جعلني أسقط مراراً عن دراجتي، أو في البانيو وكاد يتسبب بكسر ظهري، وهنا ما تعلمته من اليوغا وتمارين الاسترخاء بدأت تعمل ضدي، إذ إن توقفت عن الأدوية هذا يعني أني أعجز عن النوم، وقد ضربت أرقاماً قياسية وصلت إلى 90 ساعة، يتخللها فقط استرخاء أو نوم لمدة لا تصل إلى الساعة، وارتبكت وارتبكت معي طبيتي وفي نهاية المطاف وكان ذلك في 20/ 7 أي قبل المجزرة المشؤومة بأيام، وارتأت أن نوقف الأدوية وتساعدني بإيجاد وسيلة للنقل من المدينة والعمل على التخلص من الظروف المسببة للكآبة وهي في حالتي المدينة وصعوبات النقل، وأن تدعمني مع الجهات المعنية، على أن يعاد التشخيص لاحقاً إن بقيت الكآبة قائمة.

مجزرة السويدا

في الأيام الأولى، وأزعم أني منسجمة مع نفسي، سواء بالتصالح مع الموت، أو بقناعتي بحق الحياة و برفضي أن تكون حياة أي كان رخيصة، ورغم قرائتي لقائمة طويلة تحمل اسم عائلتي وأشخاص أعرفهم ليس فقط كأسماء بل كعلاقة حياتية، لم تكن ردة فعلي تختلف كثيراً عن أي مجزرة أخرى لأشخاص لا أعرفهم، لكن الحنين والخوف على من بقي على قيد الحياة هو المسيطر وفي السويدا أهلي، وفي الحقيقة هالني حجم العهر الأخلاقي والعفونة التي نملكها كسوريين وهي تتكشف وتطفو على السطح منذ بداية الثورة وتجربتي الشخصية فيها الكثير من الرضات والحزن المدفون، وكان ذلك سبباً لم يسبق أن عشته لمقاومة النوم وهكذا بدأت أفقد السيطرة على مشاعري وأبتعد عن الاستجابة إلى ردات الفعل الانفعالية على ما يحدث من مناكفات واتهامات ووووووووو، فدخلت في مرحلة من الهلوسة، أو ربما فقدت عقلي تماماً، لست على يقين من تشخيص الحالة فهذا من عمل الأطباء، لكن ما يعنيني أني خرجت من المرحلة بانفصالي عن زوجي، وربما لم أكن، وما زلت لا أفهم بدقة كيف ولماذا حدث ذلك.

ما بعد الجنون:

في الفترة الأولى مرت المجزرة وسافرت إجازتي وأنا أنتظر موعد شغور مكان في المشفى لإيقاف الدواء، تجنبا لمتلازمة الانسحاب الدوائي، وعدت أستجدي حبيباً كنت أظن أني خرجت به منتصرة بعد فشلي العاطفي الذريع، لإنقاذ زواجنا ولم أفلح، وتابعت علاجي مع طبيتي واستطعت التوقف عن الدواء باصرار بالرغم من أنه لم يتوفر مكان في المشفى، إذ كانت صدمة الحزن الجديدة تكفي لأصحو من جديد، فعدت إلى نفسي أسائلها كيف وصلت بنا إلى هنا؟

بعد أن استقر وضعي الصحي قليلاً اكتشفت ما حدث، ولأن الفيس بوك بالنسبة لي هو فسحة رائعة للتواصل، وبحكم العدد الكبير من الأصدقاء الفيسبوكيين متنوعي المشارب والهويات، فهذا يتيح لي في عزلتي فرصة لا بأس بها للاطلاع على ما يجري حولي، وأشارك على صفحتي ما أرغب بمتابعته أو ما يستهويني، لكني لا أبالي كثيراً بمراجعة ما أكتب، وقد انتبهت لبعض الأشياء ومسحتها دون أن تثير الشبهة لدي، لهذا مرت الشهور الأربعة وأنا منشغلة بنفسي وظروفي ولم أنتبه أني فقدت عقلي حقاً في تلك الفترة، بل حدث ذلك بالصدفة، وعدت لأكتشف ما حدث…

في البداية خشيت على نفسي، عدت راكضة إلى طبيتي أستشيرها، فأكدت لي أن الوضع طبيعي وأن ذلك قد يحدث من آثار الدواء وخاصة في ظرفي، ولم أطمئن بل شعرت بأني بت عرضة لأفقد عقلي، حزنت كثيراً وخشيت من البقاء وحدي واستنجدت بالأصدقاء وذهبت أياماً إلى صديقتي، وبدأت أستعيد ما حدث وكيف حدث، وحين اطمئنيت على نفسي تماماً التفت لأرى علاقتي بالآخرين.

في البداية كان شعوراً مخزياً ومؤلماً وكان اهتمام الكثيرين يحرجني ويربكني، مرت أيام وأنا أشعر بالعار، وأتمنى لو تبتلعني الأرض، أتمنى لو كنت أقل جبناً أو أكثر شجاعة لأنهي حياتي، ثم فكرت قليلاً وقلت لنرضى الآن بالعزلة حمداً وشكراً فهو انتحار بطيء على أية حال… وعلى هذا الأساس، قررت الاعتذار من الأشخاص الذين أقلقتهم، أو المجموعات التي أزعجتهم بخطبي العصماء، وقررت أن أحتضن عزلتي، إذ شعرت لأيام أني لا أملك الشجاعة ولا الجرأة على مواجهة الموقف، وخرجت بالكثير من الخسارات لم تقتصر على زواجي ربما أيضاً بعض الأصدقاء.

إلا أن قلوب الطيبين التي احتضنتني والاهتمام الذي احظى به، بات يحرجني ويحول دون قدرتي على تنفيذ قراري بالعزلة الأبدية في انتظار الموت، فوقعت بمأزق حرج، إما أن أمتلك الشجاعة لمواجهة الموقف وأتابع حياتي الاجتماعية، وأما أن يغلبني الحرج والعجز وألوذ بقوقعتي، وقد كنت ميّالة للخيار الثاني حقيقة لولا أني شكلت قلقاً على الآخرين ولن يكون بمقدوري تجاهل الأمر، وان تمكنت أنا فلن أترك وحدي على أية حال فكان لا بد من الخيار الأول.

إذا كان لا بد من الخيار الأول إذاً لا بد من امتلاك الجرأة للمواجهة، ولا أعتقد أن من وصل إلى هنا ليقرأ ما أكتب سوى من أعنيه وبالتالي يعنيني، ولأني ما تعلمت أن أكون نعامة أدفن في الرمل الرأسي فهذا أنا بأخطائي وعثراتي وحسناتي وسيئاتي، أحاول جاهدة كما يفعل الجميع أن أخطو نحو الأفضل لكني لن أزعم ما ليس فيني ولن أتبنى ما لا يمكنني فعله.

من وصل ليقرأ هذه المطولة حتماً هو من يستحق اعتذاري الشديد عن إن بدر مني ما أزعجه في تلك التجربة، وامتناني الشديد لوجوده في حياتي.

شاهد أيضاً

المخ الثاني للإنسان

دكتورة دنيا شعير تكتب: المخ الثاني للإنسان

آراء حرة| دكتورة دنيا شعير تكتب: المخ الثاني للإنسان         أظهرت الدراسات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: