الرئيسية / آراء حرة / أحمد عبدالعليم يكتب عن النص المقدس والنص الإنسانى:  هكذا أراد الله
صورة أرشيفية

أحمد عبدالعليم يكتب عن النص المقدس والنص الإنسانى:  هكذا أراد الله

أحمد عبدالعليم – مقالات الوقائع

أحمد عبدالعليم باحث وكاتب مصرى
أحمد عبدالعليم باحث وكاتب مصرى

في واقعة حدثت معي منذ ما يقرب من أربعين سنة، وبينما كان يشرح “معلم التربية الدينية” عن “حكمة الصيام” في الإسلام، إذ أكد على (أن الله قد شرع الصيام من أجل أن يشعر الغني بمعاناة الفقير، وكيف أن الله ( النص المقدس ) لا يضع “شرعة” أو “فريضة” إلا بحكمة، “وكل شيء خلقناه بقدر”  “وكل شيء قدرناه تقديرا”).

وبينما هو على هذا الحال كان هناك سؤال يلح على عقلي بشدة وضراوة، وبسذاجة طفل في العاشرة استأذنت المعلم وسألته: أنا فقير فهل فرض على الصيام كما فرض على الأغنياء؟ وكان الرد فصيحا من قبل معلمي (علقة ساخنة) لم أكن معتادا عليها (نظرا لأني كنت من المتفوقين آنذاك) ورأيته يلومني ظنا منه بأني أسخر منه ومن ثم أسخر من “حكمة الله” في فرضه الصيام على المؤمنين من عباده.

في ظني أن هذه الحادثة ( بالنسبة لي) تعد حادثة كاشفة (ليس في حينها) ولكن بعد ما يزيد عن عقد من حدوثها ( إذ ظلت عالقة بطزاجة في ذاكرتي طوال هذه السنوات) وقد جعلتني أفكر مليا فيما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين ( النص المقدس ) و(النص الإنساني) وخاصة فيما يتعلق بآليات التفسير والتأويل التي سعى “الإنسان” إلى وضعها بغرض استبيان أو كشف غموض  (النص  الإلهي) وخاصة إذا ما تبينا أن النص المقدس على وجه الخصوص يمثل حدثا معجزا في العقيدة الإسلامية، وهو نص قابل لاستمرار التأويل لما يحتويه من نصوص عابرة للزمان والمكان،  استنادا إلى ما يستجد من وقائع، أو يتكشف من حقائق مفسرة للكون ومفرداته، وكأننا أمام النصوص الغامضة في القرآن إزاء “خبيئة” تمثل أحد مظاهر إعجاز النص وقدسيته، وهو أمر يبدو قاطعا بوصفه عنصرا من عناصر عقيد الدين الإسلامي منذ البعثة المحمدية وحتى اللحظة الراهنة.

إذن نحن أمام “نص” قابل دوما للتفاعل الإنساني، قابل للدخول في “جدل” مع معطيات الحياة الإنسانية، وما يطرحه “شخص ما” في مرحلة من مراحل التاريخ، هو تعبير دقيق حول ما توصل إليه في علاقته مع النص المقدس ، وحول ما يمكن أن يكون النص قد كشف له / عنه وفقا للتطور (العلمي/ الثقافي / الاجتماعي …الخ) الذي تشهده لحظة التفسير/ التأويل التي قدمها هذا (الشخص) وهوما لايمكن بأي حال من الأحوال أن نتعامل معه بوصف هذا المعنى الذي يشكل طرحا إنسانيا، ومنتجا إنسانيا، ليصبح (ما قصده الله في نصه).

إذن … ما الذي حدث من تطورات اجتماعية وثقافية وعلمية …الخ في مجتمعاتنا جعل البعض يظن أن هذا المنتج الإنساني هو (عين الحقيقة ومآلها الأخير) وهو أمر يمكن أن ينحو بنا منحا مغايرا للغرض منه منذ بداية التفاعل الفكري مع (النص المقدس) على مدار العصور، والتي كانت تنظر للمنتج الإنساني بوصفه ( اجتهادا) يؤجر عليه صاحبه، ولكن لم تتعامل معه بوصفه (منتجا نهائيا)، وهو الأمر الذي يبدو جليا من تكرار المحاولات في تقديم (فهما آخر) أو السعي إلى تقديم (تأويلا/تفسيرا) جديدا للنص المقدس.

في ظني أنه على مدار التاريخ تقدم لنا عصور التدهور والانحطاط الحضاري تجارب وخبرات شبيهة، حيث يتوقف الإبداع، ويتعامل المجتمع مع تراثه الفكري والثقافي بوصفه الحامي له والحافظ لهويته، وهي مشاعر تبدو مشروعة إذ تعبر في صميمها عن أزمته الاجتماعية بالقدر الذي تعبر عن أزمته الوجودية في لحظة ضعف يمر بها المجتمع والفرد على حد سواء، حيث تهاجمه الهواجس من ضياع ما تبقى له من ميراث الفخر الذي ورثه عن آبائه وأجداده، ولم يستطع أن يطوره أو يضاهيه إبداعا، فليس أقل من أن يحفظه.

أعود للواقعة الأساسية لأقدم ما أريد طرحه وهو يتمثل فيما قدمه النص القرآني حول فريضة الصوم وهو نص قاطع حول زمان ومكان الفريضة، وفي ظني أنه لم يقدم استثناءات طبقية، وإن كان قد قدم استثناءات، كما لم يطرح مبررات للفريضة (على حسب علمي) ولم يتساءل المؤمنون الأوائل (على حسب معرفتي) لماذا علينا أن نصوم؟ ولكن هذا لم يمنع البعض من الاجتهاد حول (ماذا يمكن أن يكون الغرض من الصوم كما أراده الله؟) وربما يكون اجتهادا مقبولا في ضوء كونه اجتهادا أو منتجا فكريا إنسانيا، يحفز المؤمنين على الإقدام على القيام بالفريضة، ولكنه يظل منتجا قابلا للتناول بوصفه منتجا شخصيا، وبالتالي مناقشته ونقده في بعض الأحيان. وربما يمكننا أن نمد الأمر على استقامته فيما يتعلق بتفسيرات وتأويلات النصوص التي أقدم على إنتاجها البعض، باعتبارها منتجا فكريا من صنع الإنسان، لا يمكن أن تتخذ أي سمة من سمات التقديس التي يتسم بها النص المقدس لمجرد أنها تتخذه موضوعا لها، ومن ثم يمكننا رفضها أو تطويرها.

هنا تأتي الإشكالية في تجليها الاجتماعي الذي تطرحه أسئلة “التجديد” وتواجهه سلطة “التراث” عبر رغبة “البعض” في اكتساب قداسة شخصية (وهو الأمر الذي يمنحهم مكانة وامتيازات) تعتمد في صميمها على خلط فكري متعمد بين قداسة مستحقة “للنص الإلهي” وقداسة مزعومة لنص إنساني، ربما يكون الحاضر بمعطياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية قد تخطاه، ومن ثم تنشأ الأزمة بين التراث الفكري من ناحية والواقع بمفرداته الراهنة وأحداثه الحاضرة فينا بقوة، والتي قد تتناقض مع النصوص التي أنتجها آباؤونا وأجدادنا استجابة لأسئلة عصرهم، مستندين على “النص الإلهي” وهو الأمر الذي يجب علينا نحن أبناء هذه العصر القيام به والتي يحاول البعض منا القيام به، الإجابة على أسئلة عصرنا مستندين على مشروعية إتاحة “النص المقدس” للتفسير والتأويل التي سمحت للسابقين علينا من تقديم تأويلاتهم وتفسيراتهم ومن ثم طرح إجاباتهم عن أسئلة عصرهم، وإبداع سبل التعامل مع “الحاضر” والتفاعل مع معطياته بما يحقق الفائدة للمجتمع والفرد على حد السواء.

شاهد أيضاً

تشريع القوانين بين العدل والإنصاف

أحمد عبدالعليم يكتب عن: مشروعية القانون وحتمية العدل

أراء حرة| مقالات أحمد عبدالعليم     بصرف النظر عن الجدل الفلسفي الدائر حول طبيعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: