الرئيسية / آراء حرة / إيهاب الملاح يكتب في وداع إمام عبد الفتاح إمام

إيهاب الملاح يكتب في وداع إمام عبد الفتاح إمام

إيهاب الملاح

بالأمس فقدنا أستاذا كبيرا من أساتذة الفلسفة في مصر والعالم العربي وأستاذة كبيرة جدا هي ليلى دوس.. رحمهما الله.

واليوم يرحل عن عالمنا أستاذ فلسفة آخر بالتأكيد ترك وراءه أعمالا مؤلفة ومترجمة تستحق البقاء، ولا أتصور أحد مشتغل بالعلوم الإنسانية والفكر والثقافة، ولم يفِد بصورة أو أخرى من واحد من هذه الأعمال المرجعية المهمة.

عن الراحل الكبير إمام عبدالفتاح إمام أستاذ الفلسفة المعروف، وأحد المعابر والجسور المعرفية الكبرى التي نقلت تراث هيجل إلى اللغة العربية؛ وصاحب المؤلفات الكبرى في التيارات والمذاهب الفلسفية.

وبغض النظر عن أي لغط دار حول بعض أنشطة الرجل تأليفا أو ترجمة فثمة أعمال في حدود ما قرأت تشهد بطول الباع ودقة البحث واتساع الأفق والقدرة على صياغة أفكار ومفاهيم هي بطبيعتها مركبة ومعقدة غاية التعقيد بلغة عربية ناصعة وسليمة ومفهومة.

وجهوده في تيسير الثقافة الفلسفية والمعرفية للناشئة والأجيال الجديدة من خلال تأليف الكتب المبسطة عن مفاهيم فكرية وثقافية “التنوير” و”ما الفلسفة؟”.. إلخ.

فضلا عن إشرافه وترجمته على سلسلة الكتب المصورة (أقدم لك) التي كانت تصدر عن المركز القومي للترجمة.

ولا أنسى أبدًا الكتاب الرائع الذي صدر في سلسلة عالم المعرفة الكويتية بعنوان «الطاغية»، وهو واحد من الكتب المهمة جدا، الملازمة لي ولا تفارقني أبدًا منذ اقتنيته في مارس عام 1994 وهو يحتل مكانه بين الدراسات والكتب المرجعية في بابه.

هذا الكتاب قرأته للمرة الأولى وأنا في الجامعة (أظن عام 1997)، وتوقفتُ طويلا أمام الفصل الذي خصصه إمام للطاغية “يرتدي عباءة الدين في العالم الإسلامي”. استهل إمام هذا الفصل بمقدمة بدتْ لي غريبة حينها؛ إذ كأنه كان يقدم اعتذارًا مسبقا لتبرير ما سيورده من وقائع مثبتة في كتب التاريخ الإسلامي “المعتمدة” من فقهاء ومحدثي السنة عن تجارب الحكم والخلافة.

وكانت المرة الأولى التي أقرأ فيها التناقض الرهيب بين ما يتم تصديره من أفكار براقة ومثالية تخطف قلوب العامة وتستميل أفئدتهم وبين الواقع الأسود المرير..

واقع راح ضحيته مئات الألوف من المسلمين في صراعات ومعارك وحروب، وكل طرف أو فريق يرفع راية “الحق” ويعلن أنه “الفرقة الناجية” أو في المقابل ستجد من يقول “هذا قميص سربلنيه الله.. ولن أخلعه أبدا”.. أو من يقول “أحكم بعهد الله.. وأنا ظل الله في أرضه”..

تذكرتُ هذا الكتاب الذي استدعى إلى الذاكرة أيضًا ما يكتبه أنصاف المتعلمين وأرباع الذين يدعون أنهم “دعاة”، ويستحلون التصدي لكتابة “التاريخ كما يتصورونه” أو التاريخ “كما يزورونه”..

ولكم في أعمال جمال عبد الهادي ومحمد حسان ومحمود المصري وغيرهم “بلاوي منيلة”.. الكتاب في مجمله يشرح حالات الطغيان والاستبداد وفساد الأنظمة ويطرح تصنيفات لأشكال الديكتاتورية؛ منذ عهود التاريخ القديمة حتى التاريخ المعاصر، مرورا بالتاريخ العربي والإسلامي الوسيط.. رحم الله إمام عبد الفتاح إمام وغفر له..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: